Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

الفساد الانتخابي يبدأ قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع!


بقلم: الحسن سنداني
الانتخابات لا تبدأ يوم يفتح مكتب التصويت أبوابه، ولا يوم تنطلق الحملة الانتخابية، ولا حتى يوم تعلن الدولة رسمياً عن موعد الاقتراع.
الفساد الانتخابي ـ إن وُجد ـ قد يبدأ قبل ذلك بكثير… يبدأ من لحظة البحث عن التزكية.
وهنا يحق للمغاربة أن يطرحوا أسئلة محرجة، بل وأسئلة لا ينبغي أن يخاف أحد من طرحها:
هل أصبحت بعض التزكيات الحزبية تُمنح لمن يملك المال أكثر ممن يملك الكفاءة والمصداقية؟
وهل صحيح أن بعض المبالغ المتداولة للحصول على التزكية تصل إلى مئات الملايين من السنتيمات؟
إذا كان الأمر مجرد إشاعات، فلتخرج الأحزاب وتنفيها بوضوح.
وإذا كان هناك من يدعي امتلاك أدلة، فلتُفتح التحقيقات.
أما أن تبقى هذه الأحاديث تتداول في المقاهي والصالونات والمجالس السياسية، ثم نطلب من المواطن أن يثق في العملية الانتخابية، فهذا هو السؤال الحقيقي.
من أين يأتي المال؟ وإلى أين يذهب؟
هل يدخل خزينة الحزب؟
هل يسجل في حساباته؟
هل هناك إيصالات ووثائق محاسبية؟
من يحدد المبلغ؟
هل هو قرار مؤسساتي داخل الحزب؟
أم قرار فردي؟
ومن هم الوسطاء، إن وُجدوا؟
وإذا كانت هناك أموال تدفع خارج القنوات القانونية، فمن يراقبها؟
ومن يحقق فيها؟
ومن يحاسب أصحابها؟
هذه ليست أسئلة للانتقام من حزب بعينه، ولا للتشهير بشخص بعينه.
هذه أسئلة تتعلق بجوهر الديمقراطية.
لأن التزكية ليست قطعة أرض تُباع في سوق العقار.
التزكية مسؤولية سياسية وأخلاقية، لأنها تعني أن الحزب يقول للمواطن: هذا الشخص يمثلنا، وهذا الشخص يستحق أن يطلب ثقتكم.
لكن ماذا يحدث إذا كان الوصول إلى التزكية مرتبطاً بالقدرة على الدفع؟
نحن أمام انقلاب خطير في مفهوم السياسة:
بدل أن يسأل الحزب:
من هو الأكثر كفاءة؟
يسأل:
من يستطيع أن يدفع أكثر؟
وبدل أن تكون المنافسة بين البرامج والأفكار، تصبح المنافسة بين دفاتر الشيكات.
وبدل أن يكون البرلمان فضاءً للكفاءات والطاقات الوطنية، يتحول ـ لا قدر الله ـ إلى محطة استرجاع للاستثمار السياسي.
وهنا تبدأ الكارثة.
لأن المرشح الذي دفع أموالاً ضخمة للوصول إلى التزكية لن ينظر بالضرورة إلى المقعد البرلماني باعتباره مسؤولية لخدمة الناس.
قد ينظر إليه باعتباره استثماراً يجب استرجاع تكلفته.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:
من يدفع ثمن هذا الاستثمار في النهاية؟
المواطن.
الدولة.
المال العام.
الثقة في المؤسسات.
والديمقراطية نفسها.
والأغرب من ذلك أن نرى مرشحاً يحصل على تزكية ـ تحوم حولها شبهات مالية ـ ثم يخرج إلى المواطنين ليتحدث عن محاربة الفساد، وكأن ذاكرة المغاربة قصيرة!
والأغرب أن نرى حزباً يتحدث عن نزاهة الانتخابات وشفافيتها، بينما تلاحقه في الشارع أسئلة حول كيفية اختيار مرشحيه.
والأغرب أن يطالب مسؤول حزبي بمحاربة شراء الأصوات، بينما لا يجيب المواطن عن السؤال الأكبر:
هل تُشترى التزكيات قبل أن تبدأ عملية شراء الأصوات؟
لا يمكن أن نحارب شراء صوت المواطن، ونغض الطرف عن أي شبهات تتعلق بشراء موقع المرشح نفسه.
الديمقراطية تبدأ من اختيار المرشح، قبل أن تصل إلى صندوق الاقتراع.
وإذا كان اختيار المرشح نفسه غير شفاف، فكيف نطلب من المواطن أن يثق في النتيجة؟
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:
إذا كانت الأحزاب السياسية تستفيد من الدعم العمومي، فمن حق المواطن أن يسأل عن كيفية تدبير هذه الأموال.
القانون الحالي يفرض قواعد لموارد الأحزاب وتمويلها ومراقبة استعمال الأموال العمومية، كما أن النفقات الانتخابية تخضع للفحص والمراقبة.
إذن، لماذا لا تكون هناك شفافية كاملة في مسار التزكية؟
لماذا لا يعرف المواطن كيف اختير المرشح؟
ما هي المعايير؟
هل هناك مباراة داخلية؟
هل هناك لجنة مستقلة؟
هل هناك محضر؟
هل هناك تصريح بالمصالح؟
وهل هناك تصريح بأي مساهمة مالية مرتبطة بالحصول على التزكية؟
بل لماذا لا تصبح الأحزاب مطالبة بنشر معايير اختيار مرشحيها بكل وضوح؟
إذا كانت التزكية نزيهة، فلماذا نخاف من الشفافية؟
وإذا كان الحزب واثقاً من نظافة مساره، فليفتح دفاتره أمام مؤسساته ومناضليه والرأي العام.
أما أن نطلب من المواطن أن يثق ثم نقول له: “لا تسأل”، فهذا زمن انتهى.
والمواطن المغربي اليوم ليس ذلك المواطن الذي ينتظر الخطب السياسية ليقرر.
إنه يرى.
يسمع.
يقارن.
ويتذكر.
لقد أصبح المواطن يسأل:
من أين جاء هذا المرشح؟
كيف حصل على التزكية؟
من اختاره؟
ما الذي قدمه للحزب؟
ومن يمول حملته؟
وماذا سيفعل بعد وصوله؟
والسؤال الذي يجب أن يصبح في قلب النقاش السياسي هو:
إذا كان هناك حزب يبيع التزكيات فعلاً، فلماذا يحصل على الدعم العمومي من أموال دافعي الضرائب؟
الدعم العمومي ليس شيكاً على بياض.
إنه مال المواطن.
ومقابل هذا المال، هناك مسؤولية سياسية وأخلاقية ومؤسساتية.
بل إن النصوص الحالية تؤكد أن الدعم العمومي المخصص للحملات الانتخابية هو مال عام، وأن استعماله يجب أن يكون في الغاية التي خصص لها، مع إخضاع الحسابات للمراقبة.
لذلك، لا نريد اتهامات مرسلة.
نريد افتحاصاً.
لا نريد تصفية حسابات سياسية.
نريد شفافية.
لا نريد إسقاط حزب أو تلميع حزب.
نريد أن نعرف الحقيقة.
وإذا ثبت أن حزباً أو مسؤولاً أو وسيطاً أو مرشحاً تورط في شراء أو بيع التزكيات، فليتحمل المسؤولية وفق القانون.
وإذا ثبت أن هذه الاتهامات مجرد إشاعات، فلتظهر الحقيقة أيضاً، ولتُغلق أبواب التشكيك.
أما أن يبقى المواطن يسمع عن “أثمنة التزكيات” وكأننا أمام بورصة سياسية لها أسعارها ووسطاؤها، ثم نطالبه بالتصفيق للديمقراطية، فهذه وصفة مثالية لقتل الثقة في السياسة.
الانتخابات النزيهة لا تبدأ عند صندوق الاقتراع.
تبدأ عندما يكون اختيار المرشح نزيهاً.
وتبدأ عندما تكون التزكية مبنية على الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة المواطنين، لا على القدرة المالية.
وتبدأ عندما يعرف المواطن أن المقعد البرلماني ليس سلعة، وأن الحزب ليس دكاناً، وأن التزكية ليست فاتورة.
ولهذا أطرح السؤال بكل صراحة:
ما هو الحزب المغربي الذي يستطيع أن يخرج اليوم أمام المغاربة ويقول:
نحن لا نبيع التزكيات.
ولا نطلب مقابلاً للحصول عليها.
ولا نسمح بالوسطاء.
ولا نقايض التزكية بالمال.
ومسار اختيار مرشحينا شفاف وقابل للافتحاص.
هل يوجد هذا الحزب؟
أنا لا أملك جواباً.
لكنني أعتقد أن المغاربة يستحقون أن يسمعوا الإجابة.
وبكل صراحة… من يملك الشجاعة فليجب.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button