أخبارالرئيسيةتقارير وملفات

تقرير | العالم يدخل 2026 على وقع “عصر المخاطر”

الحدث الإفريقي – عبدالسلام العزوزي

دخل العالم سنة 2026 في مشهد دولي أكثر اضطراباً، تتقاطع فيه المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية، وفق خلاصات التقرير العالمي للمخاطر 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي استند إلى آراء أكثر من 1300 خبير وقائد من قطاعا.ت الحكومة والأعمال والأكاديميا والمنظمات الدولية والمجتمع المدني.

ويقدم التقرير صورة لعالم تتراجع فيه قدرة آليات التعاون الدولي على احتواء الأزمات، بالتزامن مع تصاعد التنافس بين القوى، واتساع استخدام الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية في الصراعات، واستمرار الحروب والأزمات العابرة للحدود.

الجغرافيا السياسية.. الخطر الأقرب

وتبرز المواجهة الجيو-اقتصادية كأبرز خطر يُنظر إليه على أنه قادر على إشعال أزمة عالمية خلال 2026، إذ اعتبرها 18 في المائة من المشاركين الخطر الأكثر احتمالاً للتسبب في أزمة عالمية، تليها الصراعات المسلحة بين الدول بنسبة 14 في المائة.

وتعكس هذه المعطيات تحولاً في طبيعة المخاطر الدولية، حيث لم تعد المواجهة العسكرية وحدها تمثل أداة للصراع، بل بات الاقتصاد والتجارة وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والاستثمارات عناصر متزايدة الحضور في التنافس الاستراتيجي بين الدول.

ويحذر التقرير من أن تصاعد التنافس الجيوسياسي، بالتزامن مع تراجع الثقة في المؤسسات الدولية، يمكن أن يجعل معالجة الأزمات العابرة للحدود أكثر صعوبة، خصوصاً في ملفات مثل المناخ والأمن الغذائي والطاقة والأوبئة.

عالم متعدد الأقطاب.. وتعاون متعدد الصعوبات

ويرى التقرير أن النظام الدولي يتجه نحو مزيد من التعددية القطبية والتجزئة، إذ يتوقع 68 في المائة من المشاركين قيام نظام دولي متعدد الأقطاب أو مجزأ خلال العقد المقبل. كما يصف التقرير النظام متعدد الأطراف بأنه يواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة تراجع الثقة وتصاعد الحمائية والتنافس الاستراتيجي.

ويحذر التقرير من أن ضعف التعاون الدولي قد يترك فراغاً في الحكامة العالمية، في وقت تتطلب فيه التحديات الكبرى استجابات جماعية تتجاوز الحدود الوطنية.

وهنا تبرز مفارقة أساسية: كلما أصبحت المخاطر أكثر عالمية، ازدادت صعوبة بناء توافق دولي بشأن كيفية مواجهتها.

الذكاء الاصطناعي.. فرصة استراتيجية ومصدر لمخاطر جديدة

ولا يقتصر القلق العالمي على الجغرافيا السياسية، إذ يحتل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المتقدمة موقعاً متزايداً في خريطة المخاطر.

ويشير التقرير إلى أن مخاطر النتائج السلبية للذكاء الاصطناعي تسجل أكبر ارتفاع في ترتيب المخاطر على المدى الطويل، إذ تنتقل من المرتبة 30 في أفق العامين المقبلين إلى المرتبة الخامسة في أفق عشر سنوات.

ويرتبط هذا التحول بالمخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل والمجتمعات والأمن، إضافة إلى استخداماته العسكرية، وانتشار التضليل والمعلومات المضللة والهجمات السيبرانية.

وتزداد حساسية الملف مع تسارع دمج الذكاء الاصطناعي في قطاعات حيوية، ما يجعل مسألة وضع قواعد دولية للسلامة والشفافية والاستخدام المسؤول أكثر إلحاحاً، في وقت لا تزال فيه الأطر التنظيمية العالمية مجزأة.

المناخ يتراجع في الترتيب.. لكنه لا يختفي

وفي مفارقة لافتة، يتراجع حضور المخاطر البيئية في ترتيب المخاطر قصيرة الأجل، نتيجة صعود المخاوف الجيوسياسية والاقتصادية، غير أن ذلك لا يعني تراجع خطورتها الموضوعية.

ويؤكد التقرير أن المخاطر البيئية تظل ذات أهمية كبيرة على المدى الطويل، في ظل استمرار تغير المناخ وتصاعد الظواهر الجوية المتطرفة والضغوط على البنى التحتية والموارد الطبيعية.

ويحذر التقرير من أن تراجع أولوية المناخ في الأجندة السياسية قصيرة المدى قد يتزامن مع استمرار الضغوط المناخية والبيئية، بما قد يفاقم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية مستقبلاً.

نصف الخبراء تقريباً يتوقعون مستقبلاً مضطرباً

وتكشف نتائج الاستطلاع عن مستوى مرتفع من القلق بشأن مستقبل النظام العالمي؛ إذ يتوقع 50 في المائة من المشاركين أن يكون الوضع العالمي مضطرباً أو عاصفاً خلال العامين المقبلين، وترتفع النسبة إلى 57 في المائة عند النظر إلى أفق السنوات العشر المقبلة، بينما لا يتوقع سوى 1 في المائة مساراً هادئاً في كلا الأفقين.

وتأتي هذه النظرة في سياق ما يصفه التقرير بعصر جديد من المنافسة، تتداخل فيه الحروب والأدوات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية والتحولات التكنولوجية والمخاطر المناخية.

التعاون الدولي.. المخرج الذي يواجه أزمة ثقة

ورغم الصورة القاتمة التي يرسمها التقرير، فإنه لا يقدم المخاطر باعتبارها نتائج حتمية، بل يشدد على أن مسارات المستقبل تظل مرتبطة بالقرارات التي تتخذها الدول والمؤسسات والمجتمعات.

ويخلص التقرير إلى أن التعاون الدولي يظل ضرورياً لإدارة المخاطر العالمية، حتى في ظل تراجع الثقة وتزايد التنافس. فالأزمات المناخية والأوبئة والأمن السيبراني وسلاسل الإمداد والتكنولوجيات المتقدمة لا يمكن لأي دولة أن تديرها منفردة بكفاءة.

و تكشف خريطة المخاطر لعام 2026 عن انتقال واضح من عالم كان يبحث عن إدارة الأزمات إلى عالم بات منشغلاً بمنع تحولها إلى أزمات نظامية متشابكة.

فالحرب لم تعد عسكرية فقط، والاقتصاد لم يعد منفصلاً عن الأمن، والتكنولوجيا لم تعد مجرد أداة للتنمية، والمناخ لم يعد ملفاً بيئياً منعزلاً عن السياسة والاقتصاد والأمن.

وفي قلب هذه المعادلة تقف المؤسسات الدولية أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع آليات التعاون القائمة مواكبة عالم تتغير فيه مصادر القوة والمخاطر بوتيرة أسرع من قدرة القواعد الدولية على التكيف؟

ذلك أن الخطر الأكبر، وفق قراءة التقرير، قد لا يكون في وجود أزمات منفردة، وإنما في تزامنها وتفاعلها داخل نظام دولي تتراجع فيه القدرة على العمل الجماعي.

المصدر: (World Economic Forum)

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button