حنين إلى وجدة التي تسكنني

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي
كنا صغارًا، وكانت وجدة يومها غير وجدة التي نراها اليوم. لم تكن المدينة قد اتسعت بهذا الشكل، ولم تكن العمارات قد تكاثرت، ولا الشوارع قد ابتلعت ما حولها من حقول وبساتين ومجاري مياه. كانت المدينة أصغر في مساحتها، لكنها كانت أوسع في القلب، وأرحب في الذاكرة.
كانت وجدة يومها مدينةً تحيط بها الخضرة من جهاتها، وتنساب فيها المياه العذبة الصافية، حتى كنا نظن أن العطش لا يعرف إليها طريقًا، وأن الجوع نفسه يخجل من أن يطرق أبواب أهلها. وكان في هوائها شيء من صفاء أهلها؛ هواء نقيّ كقلوبهم، وقلوب يغلب عليها الصفح والطيبة والكرم.
كانت المدينة يومها عاصمة الإقليم بحق؛ إليها يفد الناس من القرى والدواوير والضواحي، ومنها تبدأ الحكايات وتنتهي. يأتيها الطالب والتلميذ والتاجر والفلاح وصاحب الحاجة، وكانت أغلب المرافق الإدارية للناحية متمركزة فيها، وما كان يوجد في بعض المدن المجاورة لم يكن يعدو أن يكون مركزًا أو فرعية تابعة لها.
لكن وجدة لم تكن عاصمة للإدارة وحدها؛ كانت عاصمة للناس.
وكان من يدخلها، ولو لأول مرة، يشعر أنه لم يدخل مدينة غريبة، وإنما دخل بيتًا كبيرًا له فيه أهل وأحباب. لم تكن المجالس تسأل القادم: من أنت؟ ومن أين جئت؟ بل كانت تفسح له مكانًا، وكأن المدينة كانت تعرف منذ البداية أن للغريب نصيبًا من دفئها.
ولعل هذا هو سر وجدة الذي لم أستطع، رغم مرور السنين، أن أكتشفه كله.
فهي مدينة التاريخ، ومدينة الوجد، والعاصمة الألفية، ومدينة الثقافة العربية، وأرض المقاومة والفقهاء والعلماء؛ والمسرح والطرب الغرناطي.
وبمدينتها القديمة داخل سور باب الغربي بأبوابه الخمسة
وبواحة سيدي يحيى حيث يقام موسم الوعدة وغابة سيدي معافى بأشجارها الكثيفة.
لكنها قبل هذا كله مدينة الناس الذين صنعوا لها روحًا لا تشبه أرواح المدن الأخرى.
كلما أغمضت عيني عادت إليّ وجدة القديمة، لا كما هي في الخرائط، وإنما كما كانت في طفولتنا.
أعود إلى ساحة باب سيدي عبد الوهاب، حيث كانت الحلقة تقيم عالمها الصغير، وكأنها مسرح مفتوح لا يحتاج إلى ستار. يجتمع الناس حول الحكواتي، ويقترب الصغار بعيون واسعة لا تريد أن يفوتها شيء. هناك كانت الحكاية تبدأ من لا شيء، ثم تكبر بين أفواه الرجال، ويصير للحكواتي سلطان على خيالنا؛ يرفع صوته فنصمت، ويخفضه فنقترب، ويترك الحكاية معلقة فنظل ننتظر تتمتها.
كانت الحلقة مدرسة من نوع آخر؛ تعلمنا منها أن للكلمة سحرًا، وأن الحكاية تستطيع أن تجمع الناس كما يجمعهم خبز ساخن في صباح بارد.
ثم نمضي في المدينة، فنصل إلى ذلك المكان الذي كنا نسميه، نحن الصغار، البحر.
لم يكن بحرًا بالطبع، ولكنه كان بالنسبة إلينا بحرًا حقيقيًا.
كان صهريج الماء قبالة محكمة الاستئناف يبدو في أعيننا واسعًا إلى حد يجعل الخيال يكمل ما نقص من الحقيقة. كنا نسميه البحر، وربما لأن الطفل لا يقيس الأشياء بمقاييس الكبار؛ فكل ما يتسع أمام عينيه يصبح عالمًا، وكل ماء يلمع تحت الشمس يمكن أن يكون بحرًا.
وما أجمل البحار التي لا تحتاج إلى سفر!
ثم هناك ساحة الحمام قرب قصر البلدية؛ ذلك المكان الذي كان وما يزال مقصد الناس، وذاكرةً مفتوحة لأجيال تعاقبت على المدينة. كانت الساحة تعرف خطوات أهلها، وتعرف القادم من بعيد، وتعرف من جاء لقضاء حاجة ومن جاء فقط ليلتقي الناس.
وكانت وجدة تعرف المطاعم بأسماء أصحابها. لحتيثي ولحشايشي و الخلادي بنيونس رحمهم الله جميعا
لم نكن في حاجة إلى لافتات كبيرة ولا إلى أسماء تجارية براقة؛ كان يكفي أن نقول: مطعم فلان، فيعرف الجميع المكان وصاحبه وأكله، وربما عرفوا معه قصة الرجل ووجهه وصوته وحتى عاداته. كانت المطاعم القديمة جزءًا من ذاكرة المدينة، كما كانت الأسواق والدكاكين والحوانيت جزءًا من سيرتها اليومية.
أما المقاهي، فكان لها عالمها الخاص.
كانت هناك مقاهٍ عرفت بالرقي والذوق، مثل مقهى كولبو، ومقهى فرنسا، ومقهى الكتبية. ومقهى البدوي الشعبي ولم تكن المقاهي مجرد أماكن لشرب القهوة؛ كانت مجالس للحديث، وملتقى للأصدقاء، ومحطات عابرة لأناس لا يعرفون أنهم سيصبحون بعد سنوات جزءًا من ذاكرة مدينة كاملة.
كانت القهوة يومها تُشرب ببطء، لأن الوقت كان أرحب مما هو عليه اليوم.
وكان الناس يجلسون دون أن يطاردهم هاتف، ولا ساعة، ولا موعد إلكتروني. يتحدثون في السياسة والأدب والرياضة وأخبار الناس، ويتجادلون ثم يفترقون أصدقاء، وكأن الاختلاف كان يومها لا يفسد للود قضية.
وجدة القديمة لم تكن تعرف الغريب طويلًا.
فما إن يقيم فيها المرء حتى يتشرب شيئًا من طبعها. يأخذ من أهلها سماحتهم، ومن أسواقها حكاياتها، ومن أزقتها ألفتها، ومن مقاهيها عادة الجلوس والتأمل، ومن ساحاتها حب الناس.
حتى الذي كان يقيم فيها سنوات ثم يبتعد عنها، كان يشعر أن شيئًا منه بقي هناك.
ولذلك، حين كبرتُ، أدركت أن المدن لا تسكننا بحجرها وشوارعها، وإنما بما تتركه في أرواحنا من صور وأصوات وروائح ووجوه.
وجدة التي أسكنها اليوم ليست وجدة التي أراها بالعين.
إنها وجدة التي أراها بالذاكرة.
أراها في صبي يركض في أحد أزقتها، وفي شيخ يجلس أمام دكانه، وفي حكواتي يحيط به الناس عند باب سيدي عبد الوهاب، وفي ماء صهريج نسميه «البحر»، وفي ضحكة طفل في ساحة الحمام، وفي رائحة مطعم قديم، وفي فنجان قهوة على طاولة مقهى من مقاهيها التي صنعت ذات يوم جزءًا من وجدان المدينة.
لقد تغيرت وجدة، وهذا شأن المدن؛ تكبر، وتتسع، وتتبدل ملامحها، وتأتي أجيال جديدة تحمل إليها أحلامها وأسئلتها.
لكن بعض المدن لا تكبر وحدها؛ تكبر فينا أيضًا.
ووجدة من تلك المدن التي كلما ابتعدنا عنها اقتربت، وكلما تغيرت ملامحها ثبتت صورتها في الذاكرة.
لهذا لا أقول إنني أحن إلى مدينة غابت.
بل أحن إلى مدينة ما زالت تسكنني.
إلى وجدة التي لم تعد مجرد مكان ولدت فيه الذكريات، وإنما صارت الذكريات نفسها.
إلى وجدة التي كانت صغيرة في مساحتها، كبيرة بأهلها، واسعة بمحبتها، عميقة بتاريخها، دافئة بأبوابها المفتوحة.
إلى وجدة التي كان القادم إليها يشعر أنه بين أهله، والتي كان المقيم فيها، مهما طال به المقام، يخاف لحظة الرحيل.
فيا وجدة…
يا مدينة الوجد والذاكرة، يا عاصمة الألف عام، يا أرض المقاومة والفقهاء والعلماء، يا مدينة باب سيدي عبد الوهاب، وساحة الحمام، و«البحر» الذي لم يكن بحرًا إلا في أعيننا، ويا مقاهي كولبو وفرنسا والكتبية، ويا مطاعم كانت تُعرف بأسماء أصحابها قبل أن تعرفها اللافتات…



