أمانة الروح وضريبة الغياب

بقلم: ديمة الشريف – السعودية
إن الفراغ ليس مجرد حيز زمني خالٍ، بل هو وحش يقتات على وهج العقل ويُطفئ ببروده شمعة الأمل.
حين يجد الإنسان نفسه بلا دراسة تشغل فكره أو عمل يثمر به وجوده، يتسلل إليه شعور قاتل بانعدام القيمة، فينزف المرء حزناً ينهش العافية النفسية والجسدية معاً.
ولأن الحياة لا تعترف بالخاملين، نحن نتعب لأجل ما نرغب، ونعمل ونكدّ صوناً للكرامة، حتى لو فرقتنا لقمة العيش “مسافة سكة” وجعلت الزوجين في منطقتين متباعدتين، يصارعان مقولة “البعيد عن العين بعيد عن القلب” بصبر وجلد.
لكن، وسط هذا الركض وتلك الصراعات، تبرز قضية اجتماعية تؤرق مضجع الاستقرار؛ وهي ظاهرة “أطفال المربية”.
ففي الوقت الذي تسعى فيه بعض النساء للعمل، نجد بعض ربات البيوت -ممن هن بلا وظيفة تشغلهن- يتركن أطفالهن مع العاملة المنزلية على مدار الأربع وعشرين ساعة.
وهنا تكمن الخطورة؛ إذ تبدأ المربية بأخذ دور “الأم الحقيقية” في حياة الطفل، فهي من تلبسه ملابسه، وتشاركه طعامه، وتنام بجواره، وتمنحه الحب والاهتمام الذي يفتقده من أصله ومنبعه.
يا عزيزتي الأم، لا تفتحي باباً يحب فيه طفلك العاملة أكثر منكِ؛ فهي وإن أخلصت، ليست أمه الحقيقية، لكنها استوطنت قلبه حين غبتِ أنتِ عن المشهد. إن التربية هي “العمل الأسمى” الذي لا يقل أهمية عن كسب المال أو صقل المهارات، والطفل هو “الحلم” الذي يحتاج منكِ وقتاً وجهداً طويلاً، ولا تأتي “الراحة” الحقيقية إلا حين ترينه ينمو سوياً تحت ظلكِ لا ظل سواكِ.
اشغلي وقت فراغكِ بتطوير مهاراتكِ، واستثمري في عقلكِ عبر القراءة فهي “خير رفيق”، واسعي لزيادة دخلكِ بكرامة، ولكن دون أن تبيعي عاطفة أمومتكِ للمسافات أو للمربيات. فالعقل المشغول بالبناء يحمي بيته، والروح التي تتعب لأجل صغارها هي وحدها التي تذوق طعم الانتصار الحقيقي حين يشتد عودهم وهم يفخرون بأمٍ كانت لهم وطناً لا مجرد اسم في شهادة الميلاد.



