أخبارالرئيسيةفي الصميم

كرة القدم بين منطق الإنجاز ومنطق الجمهور: حين يتحول الفخر الوطني إلى ضغط جماعي

منذ سنة 2022، دخلت كرة القدم المغربية مرحلة تاريخية غير مسبوقة، تُوجت بإنجاز عالمي بحصول المنتخب الوطني على المركز الرابع في كأس العالم بقطر، وهو إنجاز لم يكن معزولاً، بل فتح الباب أمام تحولات كبرى، أبرزها قبول تنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وتسريع وتيرة إنجاز وتحديث الملاعب والبنيات التحتية في آجال قياسية، إلى جانب التتويج بكأس العالم لأقل من 20 سنة، وكأس العرب، والرتبة الثالثة في الألعاب الأولمبية بباريس في كرة القدم.

كل هذه المؤشرات تجعل من المغرب اليوم فاعلاً مركزياً في الخريطة الكروية الإقليمية والدولية، وتؤكد أن كرة القدم الوطنية “بخير وعلى خير”، من حيث الرؤية، الاستثمار، والاعتراف الدولي.

غير أن هذه الصورة الإيجابية تصطدم، في كل استحقاق، بردود فعل جماهيرية حادة، لا تقيس الأمور دائماً بمنطق المنظومة، بل بمنطق النتيجة الآنية.مباراة المغرب ومالي، في إطار كأس إفريقيا للأمم المقامة بالمغرب، والتي انتهت بالتعادل، شكلت نموذجاً صارخاً لهذا التوتر. أداء لم يرقَ إلى تطلعات الجمهور، ركلة جزاء، وتعادل، فكان ذلك كافياً لاندلاع موجة من الغضب، تحولت بسرعة إلى ما يشبه “محاكمة جماعية” للمنتخب، للمدرب، بل وحتى لرئيس الجامعة، بمنطق ثنائي تبسيطي:إما الفوز والإشادة، أو التعادل والهدم الشامل.

هنا تبرز نظرية الجمهور في بعدها السوسيولوجي: جمهور يعيش لحظة نشوة تاريخية، لكنه في الآن نفسه أسير ذاكرة قصيرة، وسقف انتظارات غير قابل دائماً للتحقق.

الجمهور لا يرى المباراة كجزء من مسار، بل كحكم نهائي على القيمة. في لحظة واحدة، يمكن أن يتحول المنتخب من “فخر الأمة” إلى “فريق لا يساوي شيئاً”، والمدرب من “صانع المعجزة” إلى “عديم الكفاءة”.

غير أن تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم لا يعني، موضوعياً ولا رياضياً، ضمان التتويج باللقب. كرة القدم ليست حفلاً بروتوكولياً، ولا نتيجة مرتبطة بجغرافيا التنظيم. هي لعبة تنافسية، تحكمها الجاهزية، التفاصيل التكتيكية، الحالة النفسية، والانسجام الجماعي.

الفريق الذي يتوفر على أفضل مؤهلات رياضية في لحظة البطولة هو من يظفر بالكأس، لا الفريق المنظم بالضرورة.وبالمنطق نفسه، فإن تنظيم كأس العالم 2030، رغم رمزيته وقيمته الاستراتيجية، لا يجعل المغرب تلقائياً في مقدمة كرة القدم العالمية من حيث النتائج. التنظيم يعكس الثقة في الدولة، في بنياتها، وفي قدرتها على الإنجاز، لكنه لا يعوض العمل التقني داخل المستطيل الأخضر.

كرة القدم منظومة متكاملة:منتخب يحتاج إلى إعداد طويل، استقرار تقني، استراتيجية واضحة من المدرب، لاعبين في أفضل الظروف البدنية والنفسية، ومحيط يحمي المجموعة من التذبذب العاطفي والضغط الإعلامي والجماهيري. دون ذلك، يتحول الإنجاز السابق من رافعة معنوية إلى عبء ثقيل.

المفارقة أن الجمهور، وهو عنصر أساسي في نجاح أي منتخب، قد يتحول أحياناً إلى عامل ضغط سلبي حين يستعجل الحصاد وينسى طبيعة اللعبة. النقد مشروع، بل ضروري، لكن تحويل كل تعادل إلى “ثورة” وكل مباراة إلى استفتاء على الأشخاص، يهدد الاستمرارية أكثر مما يخدم الطموح.

إن المغرب اليوم يملك مشروعاً كروياً حقيقياً، لكنه في حاجة، بالقدر نفسه، إلى نضج جماهيري يواكب هذا المشروع. فالأمم الكروية الكبرى لا تُبنى فقط بالملاعب والنتائج، بل أيضاً بثقافة رياضية تعترف بأن الفوز مسار، وأن التعثر جزء من الطريق، لا نهايته.كرة القدم المغربية لا تحتاج إلى تصفيق أعمى، ولا إلى جلد ذات جماعي، بل إلى توازن: ثقة دون غرور، ونقد دون هدم. فقط بهذا المنطق يمكن تحويل اللحظة التاريخية إلى مسار مستدام، لا إلى لحظة عابرة تلتهم نفسها بنفسها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button