Hot eventsأخبارعين الحدث الافريقي

إعادة البناء الهادئ

ليس صدفة أن تتقاطع عناوين اليوم عند كلمة واحدة تكاد تختصر المرحلة: إعادة البناء الهادئ. بناء لا يُسوَّق بالشعارات، بل يُقدَّم عبر قوانين، أرقام، أوراش، ومؤشرات تقاس بمدى صمودها على الأرض.

أول ما يلفت الانتباه هو الرهان الواضح على الرأسمال البشري. إصلاح التعليم، سواء في شقه المدرسي أو العالي، لم يعد ترفًا سياسياً ولا ملفاً مؤجلاً، بل مدخلاً سيادياً لإنتاج مواطن قادر على الاندماج في تحولات عالمية متسارعة. الرسالة هنا واضحة: لا تنمية دون مدرسة منصفة، ولا جامعة دون استقلال فكري ونجاعة وظيفية.

وبموازاة الإنسان، يبرز رهان السيادة بأشكال متعددة: سيادة طاقية تُقلّص التبعية، وسيادة مائية تُحصّن البلاد من تقلبات المناخ، وسيادة مؤسساتية تُعيد ترتيب أدوار الدولة بدل الانسحاب منها. الحديث عن تحويل مؤسسات استراتيجية، أو تسريع إنجاز السدود، أو رفع نسب ملء المخزون المائي، كلها مؤشرات على أن منطق التدبير الاستباقي بدأ يفرض نفسه بعد سنوات من سياسة ردّ الفعل.

في العمق الاقتصادي، تحضر لغة الأرقام بثقة غير معهودة: نمو متوقع، ادخار في ارتفاع، واستثمار يُعاد توجيهه عبر أدوات جديدة كصناديق الدعم والبرامج الموجهة للمقاولات. لكنها أرقام مشروطة بسؤال مركزي: هل ستُترجم هذه المؤشرات إلى أثر اجتماعي ملموس؟ هنا بالضبط يأتي دور تقييم السياسات العمومية، كما يظهر في الاهتمام بالفئات الهشة، وعلى رأسها الأشخاص في وضعية إعاقة، ليس بمنطق الإحسان بل بمنطق الأثر والإنصاف.

أما على مستوى الإدارة والدولة، فالنبرة تميل إلى الاعتراف قبل التبرير: اعتراف بإخفاقات سابقة في السلامة الطرقية، وتشديد على محاربة الاحتيال المالي، وتحديد آجال واضحة للالتزامات الجبائية. دولة تحاول أن تكون أكثر صرامة، لكن أيضاً أكثر وضوحاً.

خارجيًا، تستمر الدبلوماسية الهادئة في نسج خيوطها: شراكات اقتصادية جنوب–جنوب، وتعاون أمني متعدد الأطراف، ورسائل تضامن إنساني تعكس استمرارية مؤسساتية لا تخضع لتقلب الأخبار.

الخلاصة أن المشهد العام لا يصرخ بالإنجاز، ولا يلوّح بالأزمات، بل يشتغل في المنطقة الرمادية بينهما: منطقة الفعل الصامت. وهي أخطر المناطق وأكثرها حساسية، لأن نجاحها لا يُقاس بالتصفيق، بل بقدرتها على تغيير التفاصيل الصغيرة في حياة الناس.

ذلك هو امتحان المرحلة… وتلك هي قصتها الحقيقية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button