Hot eventsأخبارأخبار سريعةثقافة و فن

الناظور وجزء من حكاية الماضي و الحاضر

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

قرابة أربعين عامًا وأنا أعيش في رحاب هذه المدينة التي تسكنني الناظور، أجوب دروبها ومسالكها، وأخالط ناسها وقبائلها، وأتعرّف إلى عاداتهم وتقاليدهم التي شكّلت روح المكان وأعطته نكهته الخاصة. لم أكن فيها مجرد عابر سبيل، بل كنت جزءًا من نسيجها الاجتماعي والثقافي والعملي، أشارك أهلها تفاصيل الحياة اليومية، وأصغي إلى حكاياتها التي تحفظها الذاكرة كما تحفظها الأزقة العتيقة.
وخلال هذه العقود، تبدّلت ملامح كثيرة من وجهها؛ اتّسع مجالها العمراني، وارتفعت بناياتها، ونشأت إلى جانبها مدينة جديدة بهندستها العصرية وإداراتها ومؤسساتها، بشوارعها الفسيحة وبنيتها التحتية المتجددة. ومع هذا التحول تبدّل إيقاع الحياة، وتغيّرت ملامح الاجتماع البشري فيها، فغدت أكثر اتساعًا وحركة، وأقرب إلى صورة المدن التي تتشكل وفق مقتضيات العصر.
غير أنّ المدينة الأولى ما تزال هناك، قائمة كذاكرة حية، تقف شاهدة على زمن مضى وعلى أجيال تعاقبت على حجارتها وأبوابها. ففي تلك الأزقة الضيقة كانت الأمكنة تُعرف بأصحابها قبل أن تُعرف بأسمائها، كأن الإنسان كان يمنح المكان هويته. فالمقاهي كانت تحمل أسماء رجالها الذين صنعوا دفئها؛ مقهى عالوش، ومقهى أمين، ومقهى الحاج العربي حمداوي، حيث كانت الجلسات تمتد على مهل، وتختلط رائحة القهوة بحكايات الناس وأخبار الأيام.
وكذلك كانت الأزقة والمؤسسات العمومية تحمل أسماء تاريخية لرجال المقاومة ولكل من مروا بها والعائلات والوجوه التي عمرتها: بلعري الشيخ، وأولاد براهيم، وأطاليون، وريكولاريس، ومسجد الحاج مصطفى، وأولاد عمر يحيا… أسماءٌ لم تكن مجرد علامات طريق، بل شذرات من ذاكرة جماعية، تختزن قصص البيوت القديمة، وصلات القرابة، ومشاهد الحياة البسيطة التي كانت تنبض في تلك الحارات.
أما المدينة الجديدة فقد جاءت بأسماء أخرى بحي المطار أو شارع 80، تحمل نبرة مختلفة على السمع، أقرب إلى الأسماء الأجنبية التي لم تألفها الأذن من قبل؛ مثل سليكس، ومولان، وكٓوكٓل، ولافازا، ونوفو كلاس، وكالكسي… وغيرها من الأسماء التي تعكس زمنًا جديدًا وطابعًا عصريا مغايرًا، وكأن المدينة وهي تتجدد كانت تغيّر لغتها أيضًا.
وهكذا تمضي المدينة بين زمنين: زمنٍ قديم يفيض بعبق الذاكرة ويستريح في زوايا الأزقة العتيقة، وزمنٍ حديث يتسع للشوارع الفسيحة والأسماء الجديدة وإيقاع الحياة المتسارع. وبين هذا وذاك تبقى الحكايات معلّقة في فضاء المكان، تنتظر من يعود إليها يومًا ليكتب سيرتها على مهل… فللمدينة، بلا شك، فصول أخرى تستحق أن تُروى؛
وقد ندونها لاحقا.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button