البرلماني عمر أعنان.. الاستحقاقات القادمة ستكون لحظة ديمقراطية لمساءلة الأداء السياسي

حاوره/ الإعلامي ربيع كنفودي
لا يختلف اثنان أن الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الحادية عشرة، بتاريخ 10 أكتوبر 2025، يشكل خطابا مفصليا واستراتيجيا، يندرج في سياق المرحلة الانتقالية بين نهاية الولاية التشريعية الجارية وبداية التحضير لدورة سياسية وتنموية جديدة.
والأكيد أن الجملة الافتتاحية التي جاءت في نص الخطاب الملكي، «نفتتح اليوم، بعون الله تعالى وتوفيقه، السنةَ الأخيرة من الولاية الحالية لمجلس النواب»، ليست جملة بروتوكولية فحسب، بل تضع الحكومة والبرلمان في سياق الزمن السياسي، لتذكرهما بأنهما في مرحلة تقييم للحصيلة وأمام مسؤولية جماعية، وليس فقط نهاية ولاية حكومية وتشريعية شكلية فقط.
وعلاقة بالموضوع، وما قامت به الحكومة مباشرة بعد نص الخطاب الملكي بالبرلمان، أجرت جريدة الحدث الإفريقي حوارا مع النائب البرلماني عمر أعنان عن حزب الاتحاد الاشتراكي، للاجابة عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية تهم الحصيلة الحكومية بعد الخطاب الملكي. إضافة إلى الرؤيا المستقبلية للمرحلة المقبلة.
- كيف تقيمون أداء الحكومة منذ الخطاب الملكي لافتتاح السنة التشريعية الأخيرة؟
الخطاب الملكي عند افتتاح السنة التشريعية يمثل نقطة مهمة، لأنه لا يقتصر على توجيهات عامة. بل يرسم ملامح المرحلة ويحدد أولوياتها. وقد أكد جلالة الملك على سرعة الإصلاحات، وتعزيز أركان الدولة الاجتماعية، ودعم الاستثمار، وتحقيق العدالة المجالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
على هذا الأساس، يبقى السؤال الأهم: هل نجحت الحكومة في تحويل هذه التوجيهات إلى سياسات واضحة تؤثر بشكل ملموس في حياة المواطنين؟ في رأيي، لا زالت هناك فجوة بين الطموحات الوطنية والتنفيذ الفعلي.
فمعدلات البطالة، خصوصاً بين الشباب، تبقى مقلقة. الضغط على القدرة الشرائية مستمر، ولم تعالج الفوارق المجالية بالكفاءة المطلوبة. الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد القوانين التي تمت الموافقة عليها، بل بتأثيرها على الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
ينتظر المغاربة اليوم نتائج ملحوظة في مجال التشغيل، وتحسين جودة الخدمات العامة، وضمان ظروف العيش الكريم. هذه هي الأسس التي نستخدمها لتقييم أداء الحكومة.
- الاتحاد الاشتراكي اختار منذ البداية موقع المعارضة الواضحة، لكن كثيراً من مقترحاتكم ترفض. كيف تفسرون ذلك؟
نحن في الاتحاد الاشتراكي نمارس معارضة مسؤولة، تستند إلى رؤية سياسية واضحة تستمد قوتها من مرجعيتنا الاشتراكية الديمقراطية، ومن الدفاع عن العدالة الاجتماعية، والمدرسة العمومية، والعدالة الضريبية، وتكافؤ الفرص. رفض عدد من تعديلاتنا لا يدل على ضعفها، بل يعكس غالباً طبيعة التوازنات العددية في المؤسسة التشريعية، حيث تُحسم بعض الأمور وفق الأغلبية العددية بدلامن قوة الحجة.
لكن المعارضة ليست مجرد تمرير تعديلات. هي أيضاً توجيه النقاش العام، ومساءلة الحكومة، وتقديم بدائل عملية. تاريخ السياسة يُظهر أن الكثير من الإصلاحات الكبرى بدأت من مقاعد المعارضة قبل أن تتحول إلى سياسات معتمدة.
الديمقراطية القوية تحتاج إلى معارضة قوية، لأن التوازن بين السلطات هو جوهر الممارسة الديمقراطية.
- أنتم من البرلمانيين الذين سجلوا حضوراً بارزا في هذه الولاية. ما أبرز ملامح حصيلتكم؟
أرى أن العمل البرلماني هو التزام يومي. خلال هذه الولاية التشريعية، قمت بتقديم أكثر من 200 سؤال برلماني، كتابيا وشفويا، حول قضايا متعددة وطنيا ومحليا: التشغيل، التعليم، الصحة، البنية التحتية، الاستثمار، الزراعة، الماء، النقل وغيرها. هذا الجهد لم يكن معزولاً عن الميدان. أؤمن بأهمية القرب والإنصات.
أنظم لقاءات أسبوعية مع ممثلي جمعيات المجتمع المدني، خصوصاً في إقليم وجدة، أستمع خلالها لمشاكلهم، وأعمل على تحويلها إلى مذكرات مكتوبة، ومقترحات عملية، وأسئلة برلمانية موجهة للحكومة. السؤال البرلماني بالنسبة لي ليس إجراءً شكلياً. هو أداة حقيقية لنقل صوت المواطن إلى البرلمان، ولإلزام القطاعات الحكومية بالتفاعل مع قضايا الناس.
إضافة إلى ذلك، أنا مسؤول عن رئاسة مجموعة الصداقة البرلمانية المغربية-الفرنسية بمجلس النواب، حيث نعمل على تعزيز الدبلوماسية البرلمانية لتقوية العلاقات الثنائية، وتبادل الخبرات التشريعية، وبناء التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك. حزبياً، أمارس مهامي ككاتب إقليمي للحزب، وهذا عمل تنظيم يومي أيضاً، إضافة إلى عضويتي في المكتب السياسي، حيث نساهم في صياغة المواقف الوطنية للحزب وبلورة المبادرات السياسية.
أؤمن أن العمل البرلماني، والعمل الحزبي، والدبلوماسية البرلمانية، كلها مجالات متكاملة تخدم هدفاً واحداً: الدفاع عن قضايا المواطنين وتعزيز دولة المؤسسات.
- نحن مقبلون على مرحلة سياسية تسبق الانتخابات التشريعية المقبلة. كيف تنظرون إلى هذه المرحلة؟
نحن أمام مرحلة حرجة. الاستحقاقات القادمة ستكون لحظة ديمقراطية لتقييم الخيارات العامة ولمساءلة الأداء السياسي. لكنها أيضاً فرصة لتجديد الثقة بناءً على الإنجاز والوضوح والالتزام.
بالنسبة لي، الاستعداد للانتخابات يبدأ منذ اليوم الأول الذي يُنتخب فيه النائب ممثلاً للأمة. لم أنتظر اقتراب الاستحقاقات لأزيد من حضوري أو أرفع من وتيرة عملي.
فقد عملت بوتيرة منتظمة منذ انتخابي، لأنني أعتبر أنه يجب أن تكون تمثيل الأمة مسؤولية مستمرة، لا محدودة بمواسم. المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب صادق وبرامج واضحة، وقرب حقيقي من المواطنين. التحدي الأكبر هو استعادة الثقة في العمل السياسي، وهذه الثقة تبنى بالتواجد على الأرض، والمصداقية، والقدرة على تقديم بدائل واقعية.
في النهاية، أؤمن أن السياسة ليست مجرد موسم انتخابي، بل هي التزام يومي تجاه الوطن والمواطنين. اخترت أن أعمل بجد منذ اليوم الأول الذي نلت فيه ثقة الناخبين. لأن تمثيل الأمة هو مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون موقعاً سياسياً. المرحلة المقبلة ستكون لحظة للمساءلة الديمقراطية الحقيقية، لكنها أيضاً فرصة لتجديد الثقة بناءً على العمل والوضوح والمصداقية.
سأظل ملتزماً بقناعتي بأن قوة السياسة تكمن في القرب من الناس، والدفاع الحقيقي عن العدالة الاجتماعية، والإيمان بأن المغرب يحتاج إلى نخب تعمل باستمرار، لا فقط عندما تقترب المواعيد الانتخابية.
ختاما، الاستحقاقات المقبلة التي سيعرفها المغرب، ستشكل مرحلة مهمة في تاريخ المغرب، تحتاج للكفاءات الحقيقية ولنخب قادرة على تحمل المسؤولية، والعمل على تحقيق المصلحة العامة وفق التوجهات الكبرى التي رسمها عاهل البلاد الملك محمد السادس نصره الله..



