حين انتصر القانون..بكى المنهزمون

يبدو أن بعض الأصوات في القارة السمراء لم تهضم بعد فكرة أن الحق عاد إلى أصحابه، وأن المنتخب المغربي تُوّج بطلاً لكأس إفريقيا للأمم 2025 بقرار من الكاف، لا لأنه يملك نفوذاً أو حظوة، بل لأنه ببساطة احترم القانون حين قرر الآخرون أن ينسحبوا من الميدان ويتركوا البطولة معلقة بين العناد والغرور.
منذ إعلان لجنة الاستئناف بالاتحاد الإفريقي لكرة القدم قرارها التاريخي، انطلقت جوقة من الأصوات النشاز تصرخ في كل اتجاه، تارة باسم “الكرامة الوطنية”، وتارة باسم “المؤامرة الكبرى”، وكأن الكاف اجتمعت خصيصاً لتغضبهم. هؤلاء الذين يرفضون الاعتراف بالهزيمة، يفضلون تعليق فشلهم على شماعة “التحكيم” و“الظروف”، متناسين أن البطولة لا تُمنح لمن ينسحب، بل لمن يصمد حتى النهاية.
القرار الذي أصدرته الكاف لم يكن مفاجئاً لمن يعرف أبجديات اللعبة. فالمادة 84 من لوائح كأس إفريقيا واضحة وضوح الشمس: الانسحاب من المباراة النهائية يعني الهزيمة بثلاثة أهداف دون رد. لا يحتاج الأمر إلى عبقرية قانونية لفهمه، لكن يبدو أن بعض المنتقدين يفضلون قراءة اللوائح بالمزاج لا بالنص.
المنتخب السنغالي، الذي اختار مغادرة الملعب احتجاجاً على قرارات تحكيمية، نسي أن كرة القدم ليست مسرحاً للانسحاب عند أول خلاف، بل ميداناً لاحترام القواعد مهما كانت قاسية. فكم من منتخب ظلم تحكيمياً، وكم من فريق خسر بقرارات مثيرة، لكن أحداً لم يغادر الملعب احتجاجاً. لأن الروح الرياضية لا تُقاس بالنتيجة، بل بالقدرة على تقبّلها.
أما المنتخب المغربي، فقد لعب بطولته بشرف، واستحق أن يُتوج على أرضه وأمام جماهيره. لم يطلب من الكاف معروفاً، ولم يسعَ إلى “نصر إداري”، بل نال ما يستحقه بفضل أداء ثابت، وتنظيم احترافي، واحترام تام للقوانين. ومع ذلك، خرجت بعض الأقلام لتتهم الكاف بالتحيز، وكأن احترام القانون أصبح جريمة حين يكون في صالح المغرب.
الطريف في الأمر أن بعض الصحف التي كانت بالأمس تشيد بالكاف وتصفها بـ“المنظمة النموذجية”، تحولت فجأة إلى منبر للغضب والاتهامات. فحين كانت القرارات تخدم مصالحها، كانت “الكاف” رمزاً للنزاهة، وحين طبقت القانون على منتخبها، أصبحت “أداة مؤامرة”. يا للعجب!..
الكرة الإفريقية لا تحتاج إلى مزيد من الصراخ، بل إلى ثقافة احترام القرار. فالقوانين وُضعت لتُطبق على الجميع، لا لتُفسر حسب المزاج. والمغرب، في هذه الحالة، لم يفعل سوى أن طالب بحقه وفق اللوائح، فأنصفه القانون. أما من يرى في ذلك ظلماً، فمشكلته ليست مع الكاف، بل مع فكرة العدالة نفسها.
لقد أثبت هذا القرار أن الكرة ليست مجرد لعبة، بل مرآة تعكس نضج الشعوب واحترامها للمؤسسات. فحين ينسحب فريق من النهائي، فهو لا يهين خصمه فقط، بل يهين جمهوره وتاريخه. وحين يرفض الاعتراف بخطئه، فهو يختار طريق العناد بدل طريق الإصلاح.
أما الأصوات التي ما زالت تصرخ في الفضاء الرقمي، وتتهم الكاف والمغرب والعالم أجمع بالتآمر، فهي لا تدافع عن الرياضة، بل عن كبرياء جريح. فالهزيمة مؤلمة، نعم، لكن تحويلها إلى “مؤامرة كونية” لا يغير شيئاً من الحقيقة؛ المغرب بطل إفريقيا، والسنغال انسحبت، والكاف طبقت القانون.
لقد أرجع القرار الأمور إلى نصابها، وأعاد الكأس إلى من استحقها فوق الميدان. أما البكاء على المكاتب، فلن يغير شيئاً من التاريخ. فالتاريخ لا يكتب بالدموع، بل بالإنجازات. والمغرب كتب اسمه بحروف من ذهب في سجل الأبطال، بينما اختار الآخرون أن يكتبوا مذكراتهم في صفحات الشكوى.
في النهاية، يمكن القول إن الكرة أنصفت من احترمها، وأن الكاف، رغم كل ما يقال، أعادت الاعتبار للانضباط والعدالة. أما أولئك الذين يصرون على العزف خارج السرب، فليواصلوا ضجيجهم، فالكأس عادت إلى الوطن، والحق عاد إلى مكانه، والملعب سيبقى دائماً المكان الوحيد الذي لا يحتمل الأكاذيب.
لقد انتصر القانون، وابتسمت الكرة للعدل، وبقيت الحقيقة واضحة كالشمس: المغرب بطل إفريقيا… شاء من شاء وأبى من أبى.



