عبد اللطيف بضعة يعرض وجهة نظر الدفاع في قانون العقوبات البديلة

بقلم/ الأستاذ عبداللطيف بضعة محامي بهيئة وجدة، دكتور في الحقوق
لا شك أن مسالة العقوبات تشكل إحدى الاليات القانونية للردع في شقه العام والخاص، لكن مع تطور المجتمعات أصبح للعقوبات السالبة للحرية آثار سلبية، مما حدا إلى التفكير في ابتداع عقوبات بديلة تستجيب إلى خصوصيات بعض الجرائم التي لا تكتسي نوع من الخطورة، وكذلك للتخفيف عما أصبح يعرف بظاهرة الاكتظاظ في السجون، أيضا من أجل آنسنة العقوبة والتأهيل والإدماج وإعادة الادماج، بالنظر لكون العقوبات السالبة للحرية ذات المدد القصيرة أثبتت فشلها وعدم فاعليتها.
وعليه، تم الاخذ بما أضحى يعرف بالعقوبات البديلة، وهذه العقوبات المذكورة ليست وليدة اللحظة بل كانت موضوع نقاش على مستوى السياسة الجنائية مدة، ومطروحة على طاولة النقاش على المستوى الوطني والدولي بحيث نجد أن مجموعة من الوثائق الدولية المرتبطة بالأمم المتحدة كمؤتمر السلفادور بالبرازيل سنة 2010، ومؤتمر واداكودو لسنة 2002، وهذين المؤتمرين يربطان العقوبات البديلة بحل ظاهرة الاكتظاظ في السجون بمعنى أن العقوبات تجد حل لمشكلة الاكتظاظ في السجون ونجاحها في الآنسنة والتهذيب وإعادة الادماج لا يهم.
إذن فقانون العقوبات البديلة يحظى بقدر كبير من الأهمية، وذلك بالنظر لكونه يهم شريحة كبيرة من المجتمع خاصة وان الأحكام الصادرة في المجال الزجري تكون لها اثار وتداعيات ليس فقط على المحكوم عليه، بل تمتد إلى المحيط العائلة وكل ما إلى هنالك.. أيضا يكتسي أهمية من حيث عدد المتدخلين في تنزيل مقتضياته إذ نجد جهاز النيابة العامة قاضي تطبيق العقوبات هيئة الدفاع المؤسسات السجنية كتابة الضبط، إلى جانب إمكانية تعاقد المؤسسة السجنية مع شركات خاصة لتنزيل وتفعيل عقوبة المراقبة الالكترونية أو السوار الالكتروني.
ومن هذا المنطلق فصدور القانون المذكور يشكل طفرة نوعية في مجال الحقوق والحريات إلى جانب انسنة العقوبة والإصلاح والتهذيب، كما أن تنزيله سيؤدي لا محالة إلى حل ظاهرة مشكل الاكتظاظ في السجون، إذن وبالرغم من كل ما ذكر فإنه بالاطلاع على المقتضيات القانونية سواء في الجانب الأكاديمي أو العملي يتضح بأنه هنالك بعض النواقص والاشكالات المحتملة على مستوى التنزيل السليم للقانون المذكور.
ولمعالجة ومناقشة مختلف عناصر ومواد هذا القانون من وجهة نظر الدفاع، إذ من خلال ذلك سيتم التطرق إلى القصور التشريعي الذي يعتري هذا القانون من حيث الصياغة ومن حيث التضارب واحترام القواعد القانونية للمبادئ المتعارف عليها، ثم الإشكالات المحتملة على مستوى التنزيل، وذلك بالنظر لكون القانون لم يدخل حيث التنفيذ إلا بتاريخ 22 غشت من سنة 2025.
القصور التشريعي لقانون العقوبات البديلة:
في البداية، نجد أنه من بين أهم المبادئ الأساسية التي تنبني عليها القاعدة القانونية في الصياغة، تتمثل في مبدأ المساواة، بحيث أنه ينبغي للقاعدة القانونية أن تضمن نوع من المساواة في تنزيلها على مستوى المخاطبين بمقتضياتها، ولكن بالرجوع إلى الفصل 647.18 نجده ينص على أنه تؤدى مجموع الغرامة اليومية دفعة واحدة إذا كان الشخص معتقلا، غير أنه إذا كان متابع في حالة سراح أو غير معتقلا يمكن أداء نصف الغرامة ويمكن تقسيط الباقي، وهذا الامر فيه نوع من عدم المساواة بين المخاطبين بمقتضيات هذا القانون.
جاء في المادة 647.4 على أنه يستفيد المحكوم عليه بعقوبة بديلة من رد الاعتبار القضائي بعد مرور سنة من تاريخ انقضاء العقوبة، وبالنسبة لرد الاعتبار بقوة القانون فإنه يستفيد منه بعد مدة فترة اختبار مدتها سنة ونصف من تنفيذ العقوبة البديلة، هذه الصياغة تطرح إشكال على مستوى تاريخ بداية استفادة مدة الاستفادة من رد الاعتبار بقوة القانون هل من تاريخ انتهاء تنفيذ العقوبة أم من تاريخ بداية التنفيذ، فعلا من خلال المتعارف عليه في المجال الجنائي أن الاستفادة من رد الاعتبار يكون بعد انقضاء العقوبة، ولكن نحن امام نص جنائي يخضع للتفسير الضيق للنصوص الجنائية.
من المقتضيات المنصوص عليها في هذا القانون، والتي يعتريها النقص والقصور على مستوى التشريع، نجد أن الدولة تتحمل الاضرار التي يتسبب فيها المحكوم بعقوبة بديلة تتمثل في العمل من أجل المنفعة العامة، ويمكن لها الرجوع على المحكوم عليه للمطالبة بما تم أداءه، وذلك طبقا للفصل 35.9 من القانون المذكور، لكن الفصل المذكور لم يتطرق للضرر الذي يتعرض له المحكوم عليه بعقوبة بديلة أثناء القيام بالعمل من أجل المنفعة العامة. مما يشكل قصور تشريعي في هذا الجانب.
وبالرجوع إلى الفصل 35.4 من ذات القانون نجده ينص على أنه يمكن استبدال العقوبة الحبسية بعقوبة بديلة إما تلقائيا أو بناء على ملتمس النيابة العامة أو بناء على طلب المحكوم عليه أو بواسطة دفاعه، هذا النص يثير إشكال يتمثل في تغييب المركز القانوني للمحكوم عليه في حالة ما إذا تم الحكم تلقائيا أو بناء على ملتمس النيابة العامة.
من بين المقتضيات المنصوص عليها في قانون العقوبات البديلة تحت رقم 43.22 والتي تطرح اشكال في الصياغة القانونية، نجد الفصل 647.2 هذا الأخير ينص على أن تنفيذ العقوبة البديلة يكون بعد اكتساب الحكم لقوة الشيء المقضي به (أي ينبغي أن يكون الحكم نهائيا)، غير انه يمكن تنفيذ الحكم قبل اكتسابه لقوة الشيء المقضي به، إذا وافقت النيابة العامة ولم تطعن بالاستئناف.
إذن في هذا الجانب نلاحظ بأن المشرع قام بتغييب المركز القانوني للجهة المشتكية أو الضحية او الطرف المدني، بحيث يمكن لنا أن نتساءل حول مصير استئناف الطرف المدني والاثر الذي سيترتب على الاستئناف المذكور، وهذا التصور يمكن الاخذ به في حالة ما إذا تم التنصيص على أن قوة الشيء المقضي به تنصرف للدعوى العمومية دون الدعوى المدنية، وهذا الامر لم يتم الإشارة إليه نهائيا، على غرار مجموعة من المقتضيات القانونية التي نص من خلالها المشرع على انصراف قوة الشيء المقضي به في شق دون الاخر، وعلى سبيل المثال نجد دعاوى التطليق بحيث نجد أن الحكم القاضي بالتطليق يكون نهائيا في الشق المتعلق بالتطليق وغير نهائي في الشق المتعلق بالمستحقات ويمكن الطعن في هذا الشق، كما نجد أيضا القانون 81.07 المتعلق بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة، إذ أن الأحكام الصادر في دعاوى نقل الملكية تكون نهائيا وحائزة لقوة الشيء المقضي به في الشق المتعلق بنقل الملكية وغير نهائية في الشق المتعلق بالتعويض ويمكن الطعن في هذا الشق. وعليه كان من الممكن جعل قوة الشيء المقضي به تنصرف على الدعوى العمومية دون الدعوى المدنية التابعة والتي تبقى ملك للطرف المدني.
الإشكالات المحتملة على مستوى تنزيل مقتضيات العقوبات البديلة:
كما هو معلوم أن القانون المنظم للعقوبات البديلة صادر بتاريخ 22 غشت 2024 ودخل حيز التنفيذ بتاريخ 23 غشت 2025، وعليه وبناء على الاطلاع على مقتضيات القانون المذكور يتضح بأن هنالك مجموعة من الإشكالات التي تعيق تنزيل العقوبات البديلة وعليه يتم معالجة كل عقوبة بشكل خاص وفق النحو التالي :
أولا : إشكالات محتملة على مستوى تنزل عقوبة العمل من اجل المنفعة العامة
بالنسبة لتطبيق عقوبة العمل من أجل المنفعة العامة، فإنه أول ما يثار بهذا الخصوص هو تحديد نوعية الاعمال التي يقوم بها المتهم، بحيث كيف يمكن تحديد الاعمال التي تتناسب مع الجريمة موضوع المتابعة، وفي هذا الجانب يطرح اشكال على مستوى تحديد طبيعة الاعمال والجرائم التي تتناسب معها مما سيخلق نوع من التفاوت والتضارب في تفسير هذا المفهوم بين المحاكم في تنزيل مقتضيات هذا القانون.
وهذا الأمر راجع إلى عدم تحديد إطار قانوني دقيق، بحيث نجد أيضا إشكال البنية التحتية لإحتواء هؤلاء المحكوم عليهم بعقوبة بديلة تتمثل في العمل من أجل المنفعة العامة، فعلا المشرع تحدث عن المستشفيات، المدارس والمرافق العامة ثم المؤسسات العمومية، لكن هذه المؤسسات غير متوفرة في جميع المناطق بالمملكة، مما سيجعل تنفيذ العقوبة المذكورة سيصدم بواقع يعيق التطبيق والتنزيل السليم لهذا القانون.
ثانيا: إشكالات عملية لعقوبة المراقبة الالكترونية.
لا شك أن عقوبة المراقبة الالكترونية تبقى جد فعالة في هذا القانون لكن بالاطلاع على المقتضيات المنظمة لها، يبدو أنها تثير عدة إشكالات عملية تعيق تنزيلها بشكل سليم بحيث نجد:
غياب وضعف البنية التحتية التكنلوجية اللازمة لتنزيل هذه العقوبة بحيث ينبغي التوفر على أجهزة ذات مستوى عالي لمراقبة حركة المحكوم عليه بالعقوبة المذكورة، لكن هذه الأجهزة تعرف نقصا في عدد من مناطق المملكة، بل وغير متوفرة في عدد كبير من المناطق خاصة النائية، كما أن توفير هذه الأجهزة يتطلب نفقات مالية ضخمة وهذا الامر يطرح التساؤل عن مدى جدوى هذه العقوبة إذا استحضرنا أنه من بين أسباب نزول القانون ترشيد النفقات لأن السجين يكلف مالية الدولة.
كما نجد أيضا غياب تشريع دقيق خاص بهذه العقوبة ينظم جميع الجوانب المرتبطة بهذه العقوبة، وعليه فكلما كانت العقوبة غير منظمة بتشريع دقيق سيفتح المجال لتفسير والتفسير الاخر عند التطبيق والتنزيل وهذا الامر قد يؤدي الى عدم المساواة بين المخاطبين بهذا القانون في التفعيل.
ثالثا : إشكالات الغرامة اليومية:
أول اشكال يمكن إثارته على مستوى الغرامة اليومية نجد المورد المالي للمدان بحيث قد تطرأ عند تنزيل هذه العقوبة المتمثلة في الغرامة اليومية أن نجد بأن الشخص المدان لا يملك القدرة المالية لدفع الغرامة اليومية المحكوم بها، مما يجعل عقوبة الغرامة اليومية لن تؤدي الغاية المرجوة منها وعدم تحقيق الآثار المنشودة من تطبيقها.
بالإضافة ذلك هنالك صعوبة تتبع وتنفيذ الغرامة اليومية بشكل مستمر خاصة بالنسبة للشخص الذي يكون متابع في حالة سراح والذي يكون قد أدى نصف الغرامة، وبقي نصف الغرامة يؤديها بالتقسيط، سيطرح إشكال بالنسبة للباقي في الاستخلاص خاصة ونحن نعلم أن عدد من الأشخاص موضوع مذكرات بحث، وبالتالي هذا الاشكال يعتري التنزيل السليم للقانون المذكور في الشق المتعلق بالغرامة اليومية.
في الختام وبعد مناقشة مختلف عناصر ومواد قانون العقوبات البديلة تحت رقم 43.22، سواء من الجوانب التي تعتري هذا القانون أو من حيث الإشكالات المحتملة في التنزيل، فإنه بالرغم من ذلك فالقانون المذكور يشكل طفرة نوعية في مجال الحقوق والحريات، كما أن منظومة العقوبات في بلدنا ستعرف تحولا إيجابيا في ظل القانون الذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 22 غشت 2025، خاصة وأن هذا القانون أجاب على مجموعة من الإشكالات التي كانت تعيق انسنة العقوبة، إذا استحضرنا ان هنالك عدد كبير من الجرائم لا تتناسب والعقوبات السالبة للحرية، وبدخول هذا القانون سيكون هنالك إمكانية تفادي العقوبات السالبة للحرية ذات المدد القصيرة، كما أن القانون المذكور قد حافظ على المركز القانوني للطرف المدني عندما اشترط للحكم بغرامة يومية ضرورة الادلاء بما يفيد وجود صلح مع صادر عن الضحية أو تنازل وذلك طبقا للفصل 35.14، كما استثنى الجرائم المتعلقة بأمن الدولة والإرهاب، الاختلاس الغدر الرشوة استغلال النفوذ تبديد الأموال العمومية ، غسل الأموال، الجرائم العسكرية..



