أخبارالرئيسيةفي الصميم

هدنة بلا سلام: كيف تُدار الحرب على إيران بإيقاعٍ مختلف؟

بقلم/ د. فالح الشبلي

$في المشهد الدولي الراهن يبدو الحديث عن “الهدنة” بين الولايات المتحدة وإيران أقرب إلى توصيفٍ مضلّل منه إلى واقعٍ فعلي. فالهدن في سياقات الصراعات الكبرى لا تعني بالضرورة توقف الحرب، بل غالبًا ما تعكس انتقالها من طورٍ إلى آخر، أو إعادة ضبطٍ لإيقاعها بما يخدم أهداف الأطراف المتصارعة.

إن القراءة العميقة لهذا المشهد تكشف أن الصراع لا يدور حول إيران بوصفها دولة فحسب، بل حول موقعها في معادلة الطاقة العالمية، ودورها في شبكة التوازنات الإقليمية والدولية. فالولايات المتحدة ـ منذ عقود ـ لا تنظر إلى النفط على أنه مورد اقتصادي فقط، بل على أنه أداة استراتيجية للتحكم في مراكز القرار العالمي. ومن هذا المنطلق يصبح السعي للهيمنة على مصادر الطاقة جزءًا من مشروع أوسع لإدارة النظام الدولي.

الهدنة كأداة: وظيفة مزدوجة لا توقف الحرب في هذا السياق، لا يمكن فهم أي هدنة محتملة إلا باعتبارها أداة تكتيكية ذات وظيفة مزدوجة.
فإيران تستثمرها لكسب الوقت، وإعادة ترتيب أوراقها الداخلية، وتعزيز استعدادها لمواجهة الضغوط القادمة.
في المقابل تستخدمها الولايات المتحدة لإعادة التموضع، وإعادة توزيع مواردها العسكرية والسياسية، وتحسين شروط المواجهة في المراحل اللاحقة.

بعبارة أخرى: الهدنة هنا لا تُنهي الصراع، بل تُعيد تنظيمه.
مشروع غير مكتمل: لماذا لا تتوقف واشنطن؟
تشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة لم تُنجز بعد أهدافها الاستراتيجية في إيران. فالمسألة لا تتعلق بردٍّ عسكري محدود، بل بمشروع ممتد يستهدف تقليص قدرة إيران على التأثير الإقليمي، وإضعاف بنيتها التحتية الحيوية، واحتواء نفوذها ضمن حدود يمكن التحكم فيها.

ومن هنا فإن أي قبول أمريكي بوقف إطلاق نار ـ إن حدث ـ لا ينبغي قراءته على أنه تحول نحو التهدئة، بل على أنه مرحلة انتقالية ضمن مسار تصعيدي أطول؛ إذ تميل واشنطن إلى إدارة الصراع على شكل موجات متتابعة: ضغط، ثم تهدئة مؤقتة، ثم استئناف بوسائل أكثر دقة وانتقائية.

استراحة مقاتل: المفهوم الذي يختصر المشهد
يمكن تلخيص هذه الحالة بمفهوم بسيط لكنه عميق الدلالة: “استراحة مقاتل”.
فكما يحتاج المقاتل في ساحة المعركة إلى التوقف المؤقت لإعادة التقاط أنفاسه، تحتاج الدول في صراعاتها الكبرى إلى لحظات توقف محسوبة، لا بهدف إنهاء المواجهة، بل للاستعداد لجولة أكثر حسمًا.
وهذا ما يجعل الهدنة ـ في الحالة الأمريكية الإيرانية ـ أقرب إلى تكتيك عملياتي منه إلى خيار سياسي نهائي.

حدود التهدئة: متى تتوقف اللعبة؟
السؤال الأهم هنا ليس: هل ستحدث هدنة؟
بل: إلى أي حد يمكن أن تستمر هذه الدورة من التصعيد والتهدئة؟
في تقدير استراتيجي يصعب تصور أن تتراجع الولايات المتحدة قبل أن تحقق مستوى كافيًا من السيطرة أو النفوذ داخل المشهد الإيراني، سواء أكان بشكل مباشر أو عبر أدوات غير مباشرة. فطبيعة الصراع، وتشابكه مع ملفات الطاقة والأمن الإقليمي، تجعل من الصعب قبول حلول وسط لا تضمن تفوقًا واضحًا.

خاتمة: صراع بإيقاع متغير لا نهاية قريبة له
إن ما نشهده اليوم ليس نهاية حرب، بل إعادة تشكيل لأسلوب إدارتها.
فالصراع مستمر، لكن بإيقاع مختلف، وأدوات أكثر تعقيدًا، وسقوف تصعيد تتغير وفق الحسابات الدقيقة لكل طرف.
وعليه، فإن توصيف “الهدنة” يجب أن يُفهم في سياقه الحقيقي:

ليس سلامًا؛ بل مرحلة من مراحل الحرب.
وما خفي من هذا المشهد أعظم، ولا يمكن اختزاله في قراءة عابرة أو تحليل سريع.

ملاحظة:
يأتي هذا المقال ردًّا على تساؤلاتٍ عديدة وردتني من بعض الأحبة، وهو يعكس وجهة نظرٍ تحليلية قد تتقاطع أو تختلف مع مواقف الدول.
غير أن ما جرى يفتح بابًا لسؤالٍ جوهري:
هل كانت تلك التطورات مجرد محطةٍ عابرة يُختزل مآلها بعبارة: “حصل خير”؟
أم أنها تعبير عن قرارٍ استراتيجي صادر عن دولةٍ عظمى، تُدار خطواته وفق حسابات أعمق من الظاهر؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button