Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

ايران بين خطاب نصرة الشعوب واستراتيجية بناء النفوذ: قراءة تاريخية في الأهداف والوسائل

أ.د.على أحمد جادبدر – أستاذ العلوم السياسية

منذ قيام الثورة الاسلامية في الثورة الايرانية 1979م ، سعت إيران إلى إعادة تعريف دورها الاقليمي والدولي، ليس فقط بوصفها دولة قومية ذات مصالح تقليدية، بل باعتبارها مشروعًا أيديولوجيًا عابرًا للحدود.

وقد ارتكز هذا المشروع على ثنائية ظاهرة في الخطاب ومركبة في التطبيق تتمثل في نصرة الشعوب المستضعفة من جهة، وبناء النفوذ الاستراتيجي الممتد من جهة أخرى.

وفي الخطاب الرسمي، تؤكد طهران خصوصًا في أدبيات روح الله الخميني على مبدأ نصرة المستضعفين، وهو مبدأ يحمل بعدًا دينيًا وسياسيًا في آن واحد.

وقد استُخدم هذا الشعار لتبرير الانخراط في القضايا الاقليمية المتعددة، بدءًا من القضية الفلسطينية، مرورًا بدعم حركات المقاومة، وصولًا إلى التفاعل مع أزمات داخل الدول العربية والاسلامية.

وهذا الخطاب من حيث الشكل، يتقاطع مع مفاهيم العدالة الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، غير أن قراءة أعمق لمسار السياسة الايرانية تكشف عن نمط متكرر من السلوك الاستراتيجي الذي يتجاوز حدود النصرة إلى بناء شبكات نفوذ معقدة، فقد عملت إيران عبر أدوات متعددة، على ترسيخ حضورها في عدد من الدول العربية، مستفيدة من الفراغات السياسية والأزمات الداخلية، وفي هذا السياق يبرز دور الحرس الثوري الايراني كفاعل مركزي، ليس فقط في البعد العسكري، بل في إدارة النفوذ عبر دعم الجماعات المحلية، وتأسيس البنى الموازية للدولة في بعض الحالات.

ففي العراق على سبيل المثال، توسع النفوذ الإيراني بعد عام 2003م مستفيدًا من انهيار مؤسسات الدولة، حيث دعمت طهران القوى السياسية والمسلحة التى لعبت أدوارًا محورية في إعادة تشكيل المشهد السياسي.

 وفي سوريا جاء التدخل الايراني لحماية نظام حليف، لكنه في الوقت ذاته رسّخ وجودًا عسكريًا واستراتيجيًا طويل الأمد.

وأما في لبنان فإن العلاقة مع حزب الله تمثل نموذجًا واضحًا لدمج البعد الأيديولوجي مع المصالح الجيوسياسية.

وهذا التمدد يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تتحرك إيران بدافع نصرة الشعوب، أم أن هذه النصرة تُوظَّف كأداة ضمن استراتيجية أوسع لبناء النفوذ؟ الواقع يشير إلى أن الأمر ليس ثنائيًا بسيطًا، بل هو تداخل معقد بين الأيديولوجيا والمصلحة، فالدولة في نهاية المطاف، تظل محكومة بمنطق القوة والبقاء، حتى وإن غلّفت سياساتها بخطاب أخلاقي أو ديني.

كما أن التجربة التاريخية توضح أن نصرة الشعوب عندما تُدار من خارج السياق الوطني لتلك الشعوب قد تتحول إلى عامل إرباك داخلي، بل وإلى إعادة إنتاج لأشكال جديدة من التبعية، وفي بعض الحالات أدى الدعم الايراني إلى تعزيز لقوى بعينها على حساب التوازنات الوطنية، مما أفضى إلى تعميق الانقسامات بدلًا من معالجتها.

وفي المقابل لا يمكن إنكار أن إيران استطاعت، عبر هذا النهج، أن تفرض نفسها لاعبًا اقليميًا رئيسيًا، وأن تبني ما يشبه قوس النفوذ الذى يمتد عبر عدة عواصم عربية، وهو ما يعكس نجاحًا استراتيجيًا من منظور الدولة، حتى وإن كان محل جدل واسع من منظور الشعوب.

وخلاصة القول إن السياسة الايرانية منذ الثورة وحتى اليوم تتحرك في مساحة رمادية بين المبادئ المعلنة والمصالح الفعلية، فهي ترفع راية نصرة الشعوب، لكنها تمارس في الوقت ذاته السياسات التى تهدف إلى توسيع نفوذها وتعزيز موقعها في معادلات القوة الاقليمية، وبين هذين البعدين، يبقى الحكم النهائي مرهونًا بقدرة الشعوب نفسها على التمييز بين الدعم الحقيقي والسيطرة المقنّعة، وبين التضامن الصادق والنفوذ المتخفي.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button