
عندما تتحول الأسئلة المحرمة إلى ضرورة فكرية، فهناك أسئلة لا تثير الجدل بسبب صعوبتها، بل بسبب اقترابها من مناطق اعتاد الناس اعتبارها محسومة ونهائية. و من بين هذه الأسئلة: هل يمكن لعادات قديمة تعود إلى عصور ما قبل الأديان التوحيدية أن تستمر داخل المجتمعات الحديثة دون أن تبقى وثنية؟ وهل كل ما سبق الإسلام أو المسيحية أو اليهودية يجب أن يُنظر إليه باعتباره إرثا وثنيا ينبغي التخلص منه؟
يعود هذا النقاش إلى الواجهة كلما اقترب عيد الأضحى في مناطق سوس، حيث يظهر “بيلماون” أو “بوجلود”، ذلك الكائن الغريب الذي يخرج من عمق الذاكرة الجماعية مرتديا جلود الأضاحي، مثيرا الضحك والخوف والدهشة في آن واحد.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل بيلماون وثني؟
السؤال الأهم هو: لماذا نخاف من الاعتراف بأن الحضارات تبنى فوق حضارات أخرى، وأن الأديان نفسها تظهر داخل سياقات ثقافية سابقة عليها؟
لا توجد حضارة ولدت من فراغ من أكبر الأوهام التي تسكن العقل البشري الاعتقاد أن التاريخ يبدأ من اللحظة التي نؤمن بها نحن.

الحقيقة أن كل حضارة هي وريثة حضارات أخرى.
فالرومان ورثوا الإغريق، و الإغريق ورثوا المصريين والرافديين، العرب ورثوا ما قبلهم.، والأمازيغ حملوا معهم آثار آلاف السنين من الذاكرة الجماعية. لذلك فإن وجود جذور قديمة لأي عادة لا ينبغي أن يكون صادماً. المفاجأة الحقيقية هي أن نجد مجتمعاً بلا جذور.
غالبا ما يتم تقديم الإسلام على أنه ثورة كاملة ضد ما سبقه. لكن القراءة التاريخية الأكثر تعقيداً تظهر صورة مختلفة، فالإسلام حارب ممارسات معينة، وألغى أخرى، لكنه احتفظ أيضاً بجزء مهم من البنية الثقافية العربية.
حيث اللغة العربية استمرت، الكعبة استمرت، الحج استمر، الأشهر الحرم استمرت، بعض أعراف الزواج استمرت بعد تعديلها.، و بعض الأعراف التجارية استمرت. وهنا تظهر عبقرية التحولات الحضارية الكبرى، فالأديان الناجحة لا تهدم المجتمع بالكامل، بل تعيد تشكيله، إنها لا تقتلع الشجرة من جذورها، بل تعيد توجيه أغصانها.
حين يرتدي شخص جلد الأضحية ويتحول إلى شخصية أسطورية تجوب الأزقة، هل يمارس طقساً دينياً؟
في الغالب لا.
الأطفال الذين يلاحقون بيلماون لا يفكرون في آلهة قديمة، والشباب الذين يلتقطون الصور معه لا يبحثون عن بركة وثنية، والأسر التي تشاهد الاحتفال لا تؤدي شعائر دينية بديلة. ما يحدث في الواقع أقرب إلى احتفال بالذاكرة.
إنه شكل من أشكال استدعاء الماضي داخل الحاضر. فالإنسان لا يعيش فقط بالخبز والعقيدة، بل يعيش أيضاً بالرموز والحكايات والأساطير والصور الجماعية.
لماذا نربط القدم بالوثنية؟
هنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى. كثيرون يعتقدون أن كل ما هو قديم وثني، لكن لو طبقنا هذا المنطق بحذافيره فسوف نجد أنفسنا مضطرين إلى إلغاء نصف التراث الإنساني.
حيث اللباس التقليدي قديم، الموسيقى الشعبية قديمة، الأمثال الشعبية قديمة، الرقصات الجماعية قديمة، الأعياد الزراعية قديمة.
فهل يعني ذلك أنها كلها وثنية؟
ليس بالضرورة.
هناك فرق كبير بين الأصل التاريخي والمعنى الحالي، حيث المعنى أهم من الأصل، و قد يكون أصل رمز معين دينياً، لكن مع مرور الزمن يفقد دلالته الأولى ويكتسب معنى جديداً.
فالشعوب لا تحتفظ بالرموز كما هي. بل تعيد تفسيرها باستمرار. وهذا ما حدث آلاف المرات عبر التاريخ. فكثير من الأعياد والعادات والاحتفالات في مختلف أنحاء العالم بدأت بمعانٍ وانتهت بمعانٍ أخرى مختلفة تماماً.
النقاش حول بيلماون لا يتعلق ببيلماون فقط. إنه يعكس سؤالا أعمق:
من نحن؟
هل نحن فقط امتداد للشرق؟
أم فقط امتداد للأمازيغ القدماء؟
أم أننا مزيج معقد من روافد متعددة؟
الحقيقة أن المغرب أكبر من أي اختزال، فهو أمازيغي وعربي وإفريقي ومتوسطي وأندلسي في الوقت نفسه، والبحث عن هوية نقية يشبه البحث عن ماء لا يحتوي على أي معدن. شيء غير موجود في الطبيعة، عندما تتحول الثقافة إلى معركة
في كثير من الأحيان يصبح النقاش حول التراث مجرد صراع سياسي مقنع.
فالبعض يدافع عن بيلماون لأنه يراه رمزاً أمازيغياً. والبعض الآخر يهاجمه لأنه يراه تهديداً للهوية الدينية، لكن الثقافة ليست ساحة حرب، إنها فضاء للتراكم.
فالهوية القوية لا تخاف من التاريخ. ولا تخاف من الأسئلة.ط، ولا تخاف من النقاش.
ماذا لو كان بيلماون أقدم من كل هذا الجدل؟
لنفترض أن باحثاً أثبت غداً أن بيلماون يعود إلى ثلاثة آلاف سنة.
ماذا سيتغير؟
هل سيتحول فجأة إلى ممارسة دينية؟
هل سيصبح الناس عبدة لأرباب منسية؟
بالطبع لا.
لأن ما يحدد طبيعة الممارسة ليس عمرها فقط، بل وظيفتها ومعناها الحالي، حيث تكمن نقطة جوهرية يغفلها كثيرون، بين المقدس والتاريخ، المقدس مجال الإيمان.
أما التاريخ فهو مجال البحث والنقد والتحليل، حين نخلط بين الاثنين تنشأ الأزمات.
فالباحث يسأل عن الأصل، والمؤمن يسأل عن المعنى، والسؤالان ليسا متناقضين بالضرورة.
يمكن للإنسان أن يدرس تاريخ عادة معينة دون أن يحتقرها، ويمكنه أن يحترم معتقد الآخرين دون أن يتوقف عن طرح الأسئلة.
فهل المشكلة في بيلماون أم في طريقة تفكيرنا؟
ربما لا تكمن المشكلة في بيلماون ولا في الحج ولا في أي عادة أخرى.
ربما تكمن في اعتقادنا أن الاعتراف بالتراكم التاريخي يهدد الإيمان.
إن التاريخ لا يلغي الإيمان، والإيمان لا يمحو التاريخ، فالشعوب الكبيرة هي التي تستطيع النظر إلى ماضيها كاملاً دون خوف.
تأخذ منه ما ينفعها، وتفهمه بدل أن تنكره، وتناقشه بدل أن تحوله إلى منطقة محظورة.
حينها فقط تدرك أن الهوية ليست جداراً مغلقاً، بل نهراً طويلاً تتدفق فيه روافد كثيرة، بعضها قديم جداً، لكنها جميعاً تشارك في صنع الحاضر.



