Hot eventsأخبارأخبار سريعةثقافة و فن

جماليات التحويل وذاكرة المادة: قراءة نقدية في تجربة الفنان عزيز علوان


بقلم:منير لكماني

لا يبدأ الفن دائما من مادة نبيلة أو سطح أبيض ينتظر اللون. أحيانا يولد من بقايا العالم نفسه: قطعة حديد فقدت وظيفتها، نابض ميكانيكي خرج من آلة، سلسلة صدئة، أنبوب مستعمل، أو جزء معدني لم يعد أحد يرى فيه سوى الخردة. عند هذه النقطة تحديدا تتشكل تجربة الفنان عزيز علوان، الذي لا يتعامل مع المعدن باعتباره مادة خاما فحسب، بل بوصفه ذاكرة قابلة لإعادة الكتابة، وجسدا يمكن تحريره من وظيفته القديمة وإدخاله في حياة جديدة.

في أعمال علوان، لا تعود إعادة التدوير مجرد ممارسة بيئية أو تقنية مرتبطة بالاقتصاد في المواد، بل تتحول إلى موقف جمالي وفكري. فالفنان لا يجمع بقايا الحديد ليعيد استخدامها كما كانت، وإنما ينزع عنها وظيفتها الأولى، ويدخلها في نظام بصري جديد. الترس قد يصبح عينا، والنابض مفصلا، والسلسلة لجاما، والصفيحة المعدنية جلدا، فيما تتحول أجزاء من آلات مهملة إلى أجساد بشرية وحيوانية تحمل حضورا مدهشا.

هذه القدرة على تحويل الوظيفة إلى دلالة هي جوهر التجربة. فالقطعة المعدنية لا تفقد تاريخها حين تدخل المنحوتة، بل تحمل معها آثار الزمن والاستعمال. الخدوش، والصدأ، واللحامات، والاختلاف بين الأسطح، كلها تبقى حاضرة داخل العمل. ولهذا لا يسعى علوان إلى إخفاء الأصل الصناعي للمادة، بل يتركه ظاهرا، وكأنه يريد من المتلقي أن يرى الشكل الجديد وأن يتذكر، في الوقت نفسه، الحياة السابقة للعناصر التي صنع منها.

هنا تنشأ مفارقة بصرية وفكرية لافتة. العين ترى حصانا، لكنها تكتشف أيضا أجزاء آلة. ترى جسدا يبدو متماسكا، لكنها تستطيع تفكيكه بصريا إلى مسامير وصفائح وسلاسل ونوابض. وبين وحدة الشكل وتعدد مصادره تتشكل جمالية خاصة، تقوم على الجمع بين ما كان متباعدا، وعلى منح الأشياء المهملة فرصة لأن تدخل في علاقة جديدة مع الجمال.

غير أن الاشتغال على الحديد لا يختزل في الفكرة وحدها. إنه يحتاج إلى معرفة دقيقة بالمادة وإلى مهارة في القطع والثني واللحام والتوازن. فالحديد لا يستجيب بسهولة لليد، ولا يسمح للفنان بالارتجال الكامل. لذلك تبدو أعمال علوان ثمرة حوار طويل بين المخيلة والخصائص الفيزيائية للمعدن. أحيانا تكون انحناءة قطعة جاهزة هي التي تقترح شكل الرقبة، أو يتحول نابض إلى عضلة، أو يصبح جزء من محرك نواة لرأس أو مفصل. بهذا المعنى، لا يفرض الفنان رؤيته على المادة فرضا مطلقا، بل يصغي إلى ما يمكن أن تقترحه عليه.

ويحتل الحصان مكانة واضحة في هذا العالم التشكيلي. والحصان هنا ليس مجرد موضوع جمالي، بل رمز ثقافي كثيف الدلالة. ففي الذاكرة المغربية والعربية يرتبط بالفروسية، والقوة، والحرية، والهيبة، والاحتفال الجماعي. لكن علوان يستعيد هذا الرمز بلغة مادية تنتمي إلى الحاضر: حصان مصنوع من بقايا الصناعة، يحمل ذاكرة الفروسية داخل جسد ولد من الحديد المستعمل.

وعندما يحضر الفارس والعلم واللباس والعناصر المستمدة من الثقافة المغربية، تتسع المنحوتة لتصبح مساحة حوار بين التراث والحداثة. فالفنان لا يستنسخ الموروث ولا يقدمه في صورة فولكلورية جاهزة، بل يعيد تركيبه داخل لغة معاصرة. التراث عنده ليس شيئا محفوظا خارج الزمن، بل مادة قابلة للتحويل، تماما كما هو الحديد.

وتظهر في بعض الأعمال علاقة أكثر تعقيدا بين الإنسان والآلة. فالإنسان الذي صنع الأدوات والآلات يجد صورته معاد تشكيلها من بقاياها. وكأن المادة الصناعية تعود لتروي سيرة صانعها. بهذا المعنى، يتجاوز العمل حدود النحت التزييني، ليطرح سؤالا عن مصير الأشياء وعن العلاقة المتغيرة بين الإنسان وما ينتجه ثم يتخلى عنه.

من هنا يمكن فهم تجربة عزيز علوان أيضا بوصفها نقدا هادئا لثقافة الاستهلاك. فالعالم المعاصر يقيس قيمة الأشياء بمدة صلاحيتها ووظيفتها المباشرة، بينما يقترح الفنان معيارا مختلفا: قيمة الشيء قد تبدأ تحديدا عندما تنتهي وظيفته الأولى.

في أعمال عزيز علوان لا تموت الخردة، بل تغير لغتها. الحديد الذي كان جزءا من آلة يصبح حصانا، والقطعة المهملة تتحول إلى رمز، والأثر الصناعي يدخل مجال الذاكرة والجمال. وهكذا لا يعيد الفنان تدوير المادة وحدها، بل يعيد تدوير نظرتنا إلى الأشياء، ويذكرنا بأن النهاية التي يراها الاستهلاك قد تكون، في عين الفن، مجرد بداية أخرى.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button