Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

الإعلام والرأي العام في المغرب..صناعة الوعي والتأثير السياسي في عصر الاتصال الرقمي

فاس: الحسن سنداني


يحتل الإعلام موقعاً مهماً في الحياة السياسية المغربية، باعتباره إحدى القنوات الأساسية التي يتعرف من خلالها المواطن على القضايا العامة، ويتابع أداء المؤسسات، ويفهم التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع. ولم يعد تأثير الإعلام مقتصراً على الصحافة والإذاعة والتلفزيون، بل امتد بقوة إلى المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت فضاءً رئيسياً للنقاش العمومي وصناعة المواقف.
ويقصد بالإعلام مجموع الوسائل والمؤسسات التي تتولى إنتاج المعلومات والأخبار وتداولها داخل المجتمع. وتتمثل وظائفه الأساسية في الإخبار والتثقيف والتوعية، ومراقبة أداء المؤسسات، وفتح المجال أمام النقاش العمومي. وفي الحالة المغربية، تكتسب هذه الوظائف أهمية خاصة بالنظر إلى تعدد الفاعلين السياسيين والإعلاميين، وتنوع القضايا التي تشغل الرأي العام، من التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية إلى الانتخابات والحكامة ومحاربة الفساد.
أما الرأي العام، فهو مجموع الاتجاهات والمواقف التي تتشكل لدى المواطنين تجاه قضية أو حدث أو شخصية في فترة زمنية محددة. وهو ليس ثابتاً، بل يتغير تبعاً للأحداث والتجارب الاجتماعية والخطابات السياسية والمعلومات المتداولة. ويلعب الإعلام دوراً أساسياً في هذه العملية، ليس فقط من خلال نقل الأحداث، وإنما أيضاً من خلال اختيار القضايا التي يمنحها مساحة أكبر، وطريقة ترتيبها وتفسيرها. فالقضية التي تتصدر النقاش الإعلامي قد تتحول إلى قضية رأي عام، بينما قد تبقى قضايا أخرى في الهامش رغم أهميتها.
ويمكن قياس اتجاهات الرأي العام المغربي بواسطة استطلاعات الرأي، وتحليل نتائج الانتخابات، ودراسة السلوك الانتخابي، ومتابعة النقاشات العامة في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية. غير أن قراءة هذه المؤشرات تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فنتائج استطلاع معين لا تعني بالضرورة أنها تمثل موقف المجتمع بأكمله، كما أن النقاش الصاخب على شبكات التواصل الاجتماعي لا يعكس دائماً رأي الأغلبية.
وتبرز العلاقة بين الإعلام والسلطة السياسية في المغرب ضمن سؤال أوسع يتعلق بحرية الإعلام واستقلاليته وقدرته على ممارسة وظيفته الرقابية. فالإعلام لا يكتفي بعرض مواقف السلطة والمؤسسات، وإنما يفترض أن يتيح للمواطن إمكانية الاطلاع على السياسات العمومية ومناقشتها ونقدها. وفي المقابل، تحتاج المؤسسات السياسية إلى الإعلام للتواصل مع المواطنين وشرح اختياراتها والدفاع عن سياساتها. ومن هنا تنشأ علاقة مركبة بين الإعلام والسلطة، تتداخل فيها حرية التعبير والمسؤولية المهنية والحق في الوصول إلى المعلومة.
وتتضح أهمية الإعلام بشكل أكبر خلال الانتخابات المغربية، حيث يصبح التواصل مع الناخبين جزءاً أساسياً من العملية السياسية. فالمرشح أو الحزب لم يعد يعتمد فقط على اللقاءات المباشرة والحملات التقليدية، بل أصبح مطالباً بالحضور في المنصات الرقمية وإنتاج محتوى قادر على الوصول إلى الناخب، خصوصاً فئة الشباب. ويمك ** ن للإعلام أن يساعد الناخب على المقارنة بين البرامج والمرشحين، لكنه قد يتحول أيضاً إلى أداة للتأثير في الاختيارات الانتخابية عندما تغلب الإثارة على التحليل، أو عندما يتم تقديم صورة انتقائية عن المنافسين.
ومن القضايا التي أصبحت تفرض نفسها على النقاش السياسي المغربي انتشار الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة. فسرعة تداول الأخبار عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي تجعل المواطن أمام كمية هائلة من المعلومات، بعضها صحيح وبعضها غير دقيق وبعضها مفبرك بالكامل. وتزداد خطورة هذه الظاهرة خلال الأزمات والأحداث السياسية والانتخابات، حين يمكن لمعلومة غير صحيحة أن تؤثر في صورة مرشح أو مؤسسة أو قضية عامة.
كما أحدثت شبكات التواصل الاجتماعي تحولاً عميقاً في علاقة المواطن المغربي بالإعلام. فقد انتقل المواطن من موقع المتلقي إلى موقع المنتج والناشر، وأصبح بإمكانه تصوير حدث أو التعليق عليه ونشره والوصول به إلى جمهور واسع. وهذا التطور عزز المشاركة في النقاش العمومي، لكنه أوجد في الوقت نفسه تحديات جديدة، أبرزها الاستقطاب، وانتشار الشائعات، وتشكّل مجموعات رقمية مغلقة يتعرض أفرادها في كثير من الأحيان لمحتوى ينسجم مع آرائهم السابقة.
ويأتي الذكاء الاصطناعي ليضيف بعداً جديداً إلى هذه التحولات. فإنتاج الصور والفيديوهات والأصوات والنصوص أصبح أكثر سهولة، وهو ما يمكن أن يفيد المؤسسات الإعلامية والباحثين والفاعلين السياسيين، لكنه يطرح في المقابل تحديات حقيقية أمام التحقق من صحة المحتوى. وفي السياق المغربي، ستزداد أهمية التربية الإعلامية والرقمية حتى يتمكن المواطن من التمييز بين الخبر والمعلومة المضللة، وبين الرأي والحقيقة، وبين المحتوى البشري والمحتوى الذي تنتجه أدوات الذكاء الاصطناعي.
ومن ثم، فإن دراسة الإعلام والرأي العام في المغرب لم تعد مسألة إعلامية خالصة، بل أصبحت جزءاً من دراسة الحياة السياسية نفسها. فوعي المواطن، وثقته في المؤسسات، وموقفه من القضايا العامة، واختياره الانتخابي، كلها تتأثر بدرجات مختلفة بالبيئة الإعلامية التي يعيش داخلها.
والتحدي الأساسي لا يكمن في الحد من تأثير الإعلام، فهذا التأثير أصبح جزءاً من طبيعة المجتمع الحديث، وإنما في ضمان إعلام مهني ومسؤول، ومواطن يمتلك القدرة على التفكير النقدي والتحقق من المعلومات. فالديمقراطية لا تحتاج فقط إلى مواطن يملك حق التصويت، وإنما إلى مواطن يملك أيضاً القدرة على تكوين رأيه بعيداً عن التضليل والتلاعب. ومن هنا يصبح الإعلام، في الحالة المغربية، ليس مجرد ناقل للأحداث، بل أحد المكونات الأساسية للمجال العمومي ولعملية بناء الوعي السياسي.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button