Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين العقل

الهروب الاضطراري ..حين تتضارب المصلحة

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

ليس كل انسحاب هزيمة، كما أنّ كل بقاء ليس بطولة. فحين “يعرف” البعض قدره—أو يُعرَّف به على نحو فجّ لا يحتمل التأويل—يختار التنحّي، لا بدافع الحكمة دائمًا، بل خوفًا من أن تتحوّل المغامرة إلى مقامرة خاسرة. عندها يصبح العقل التجاري أكثر فصاحة من الشعارات، وتعلو لغة الحساب على ضجيج الادعاء. فالإصرار على احتلال مواقع لم تعد تستجيب لأصحابها لا يؤدي إلا إلى تضخّم الأزمة، وتأزّم المصالح، وانحدار “المركز الاستثماري” من خانة الأصول إلى خانة المخاطر العالية في بورصة النفوذ.


وهنا، يستعيد هؤلاء فجأة حكمة العامة، لا لأنهم آمنوا بها، بل لأن التجربة لقّنتهم قسوتها: «اللي بغاها كلها تركها كلها». وهي مقولة، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، تختزل فلسفة كاملة في إدارة الخسائر. فالجشع، حين يتنكّر في هيئة طموح، يعجّل بالسقوط، أما الانسحاب المدروس فيمنح فرصة لإعادة التموضع، ولو مؤقتًا. ولذلك لا يُنظر إلى “الهربة” باعتبارها فرارًا، بل باعتبارها—كما يقول المثل الآخر—«رحلة»، أي انتقالًا تكتيكيًا من ساحة مكشوفة إلى ظلّ آمن.


في هذا السياق، لا يعود الانحناء للعاصفة فعلَ ضعف، بل حيلة قديمة من حيل الأثرياء وأصحاب الامتيازات، أولئك الذين تعلّموا أن المساءلة حين تقترب لا تُواجَه دائمًا بالصوت العالي، بل بالصمت المحسوب. فهم يعرفون أن الرياح العاتية لا تدوم، وأن العاصفة، مهما اشتدّت، لا بدّ أن تفقد زخمها. لذا يفضّلون التواري المؤقّت، لا حبًّا في التواضع، بل حرصًا على ما تبقّى من صورة، وعلى فتات نفوذ يمكن بعثه لاحقًا في سياق أكثر ملاءمة.
وهكذا، تتحوّل الأخلاق إلى خطاب مؤجَّل، والمواقف إلى أوراق قابلة للسحب، ويغدو “الانسحاب الطوعي” مجرّد استثمار طويل الأمد في النسيان العام. أما الرأي العام، فيُترك له دور المتفرّج الذي يُطالَب دائمًا بتصديق أن الغياب كان اختيارًا نبيلًا، لا هروبًا أنيقًا من مساءلة كانت—ولا تزال—تطرق الأبواب.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button