Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين العقل

القوة الضاربة الحقيقية

بقلم: مولاي الحسن بنسيدي علي

مهما كذبوا ولفّقوا الحكايات، ونسجوا من المكر روايات، وقالوا في جارٍ لهم ما لا يُقال، وهو الذي مدّ لهم يده لا بالسلاح فقط بل بالورود، وساندهم في محنتهم، وأعانهم على الخروج من نفقٍ ضيّق، وردّ إليهم رؤية النور بعد طول ظلام؛ إلا أنّ الحقد، حين استحكم، أعمى البصائر قبل الأبصار، فتوهموا القوة في الضجيج، والهيبة في التهديد، وراحوا يتصايحون بأنهم “القوة الضاربة” التي تُخضع الجبابرة وتُسجد لها الرقاب.


فأقاموا الخنادق بدل الجسور، ونصبوا الحواجز بدل الأيادي الممدودة، ومدّوا الأسلاك الشائكة في وجه الجار، وحرّموا التواصل، وقطعوا الأرحام، واعتدوا على الأرض ونخلها ومائها، وشرّدوا العوائل، وأنفقوا ملايين ومليارات الدولارات لا لبناء أوطانهم، بل لمحاولة تركيع جارٍ أبِيٍّ، وضرب وحدته الترابية.
غير أنّ ذلك الجار، صاحب الأنافة والتاريخ العريق والانتماء إلى الدوحة النبوية الشريفة، لم ينجرّ إلى صغائرهم، ولم يلتفت إلى صخبهم، بل انصرف إلى ما هو أبقى: تنمية الإنسان، والاستثمار فيه، واحترام المواثيق والقوانين، فارتفعت مكانته، وتعاظم وزنه، واشتدّت هيبته بين الأمم.
وهكذا يظل الحقّ، وإن طال الطريق، يعلو ولا يُعلى عليه.
ومع ذلك، فإن دروس التاريخ القريب والبعيد تؤكد أن العداء ليس قدرًا أبديًا، وأن الخصومات، مهما اشتدت، يمكن أن تتحول إلى جسور تعاون إذا خلصت النيات وتقدمت الحكمة على الأحقاد. فقد شهد العالم دولًا كانت بالأمس القريب أكثر عداءً وصراعًا، ثم ما لبثت أن آثرت التعقّل، فتآلفت واتحدت، ونسجت فيما بينها خيوط الثقة والمحبة، لا انتصارًا لطرف على آخر، بل إعلاءً لقيم السلام الدائم وبناء مستقبل تنعم فيه الأجيال بالأمن والخير والتعاون.
ولنا في تجربة الاتحاد الأوروبي خير مثال ودليل، حيث تحوّلت ساحات الحروب إلى فضاءات شراكة، واستُبدلت لغة المدافع بلغة الحوار والمصالح المشتركة، فكان الاتحاد ثمرة وعي تاريخي أدرك أن الاستقرار لا يُبنى بالكراهية، ولا بالأسلاك الشائكة، بل بالانفتاح، والاحترام المتبادل، والعمل المشترك.
ومن هذا المنطلق، يظل الأمل معقودًا على أن تسير شعوب العالم على النهج ذاته، نهج الإخاء والسلام والمحبة، وأن تدرك أن قوة الأمم الحقيقية لا تكمن في صناعة العداوات، بل في القدرة على تحويل الجراح إلى فرص، والخصومات إلى شراكات، لما فيه خير الإنسان والإنسانية جمعاء.
وهذا ما يسعى إليه المغرب مع دول الجوار إحقاقا للسلام والأمن والتعاون في المنطقة. فهل تستجيب الجزائر لنداء المحبة وتُحكم العقل وتفتح حدود الأخوة قبل حدود الأسلاك وأقفال المعابر …!؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button