بين زئير الأسود.. ونباح الكلاب

بقلم: مولاي الحسن بنسيدي علي
ليست القيم بما يُقال عنها، ولا بالمظاهر التي تُرفع لها الرايات، بل بما تَثبُت عليه ساعة الامتحان. فكم من صوتٍ علا لا ليقول حقًا، بل ليخفي خواءه، وكم من صمتٍ بدا خافتًا وهو في جوهره عاصفةُ كرامةٍ مؤجلة.
تبقى الكلاب كلابًا، وإن ارتفع نباحها حتى ظنّ السامع أنه زئير، لأن الصوت حين يخلو من المعنى لا يغيّر من الجوهر شيئًا. فالنباح ضجيجُ خوف، واستنفارُ غريزة، ومحاولةٌ يائسة لإقناع الذات قبل الآخرين بالقوة. أمّا الأسد، فيبقى أسدًا، حتى وإن خفت زئيره، لأن الهيبة لا تحتاج إعلانًا، ولأن القوة الحقيقية تعرف متى تتكلم ومتى تصمت.
ويظلّ الجندي المرابط على ثخومه، والمقاتل بشرف، مهاب الجانب وإن خسر معركة. فالهزيمة في الميدان لا تُسقط من قاتل دفاعًا عن حق، ولا تنزع الكرامة عمّن ثبت ولم يبع، ولم يطعن من الخلف، ولم يجعل من الغدر حرفة. إنما السقوط الحقيقي هو سقوط القيم، لا سقوط المواقع.
والذئاب المسعورة على جبال الكراغلة لا تعرف الوفاء؛ تعضّ اليد التي أطعمتها ووقفت الى جانبها وتفترس من أحسن إليها بالحقد والكراهية المترسبة في ذاتها والمجبولة عليها؛ فهي لا تتحرك بدافع مبدأ، بل بدافع شهوة، ولا تعرف معنى العهد، لأن الخِسّة حين تستوطن النفس لا تميّز بين قريب وبعيد.
ويكفي أسد الأطلس شرفًا أنه إذا خلّف، خلّف أشبالًا تصير أسودًا. فالشرف ميراثُ سلوك، لا شعارُ نسب، والكرامة تُورَّث بالفعل قبل القول على أرض الاشاوس. أمّا الكلاب، فلا تورث إلا العواء، ولا تخلّف إلا الضجيج، لأن الأصل الفاسد لا يُنبت إلا فاسدًا.
وفي ميزان القيم، تعظم في عين الكبير الصغائر، لأنه يعرف ثمن التفاصيل، وتصغر في عين الحقير الكبائر، لأنه لا يرى أبعد من مصلحته. فالعظيم يُحاسب نفسه على الزلّة، والوضيع يبرر الخيانة، ويبحث لها عن أسماء ناعمة تخفي قبح الثعالب .
هكذا تُعرف الشهامة: ثباتٌ عند الشدائد، ووفاءٌ عند المغنم، وصمتٌ حين يكون الصمت أبلغ من ألف صرخة. وهكذا تُفضح الخِسّة: نباحٌ عند الأمان، وتكشيرُ أنيابٍ عند أول فرصة، وغدرٌ متى ظنّ صاحبه أن لا حساب.
وفي النهاية، لا يضير الأسد أن تنبح الكلاب في طريقه، فالقافلة لا تتوقف، والتاريخ لا يكتب بأصوات النباح ولا بنعيق الغربان، بل بخطى الثابتين.
وقد اثبت الأسود أنهم توجوا بتاج الهيبة والتوقير والاحترام بين الأمم المحبة للأسود



