حين يتحوّل التشويش إلى سلاح…ويصبح الوطن خطًّا أحمر

بقلم الدكتور عمر اعنان
لم يعد من المقبول التعامل مع ما جرى باعتباره مجرد خسارة رياضية أو جدل عابر. ما حدث كشف، بوضوح لا لبس فيه، أن هناك من لا يرى في الرياضة سوى أداة للضغط، ومن لا يتردد في توظيف المنافسة الرياضية لتصفية حسابات سياسية وإقليمية ضيقة، حتى ولو كان الثمن هو ضرب صورة بلد بأكمله. والمغرب، وهو يتحمّل مسؤوليته كاملة في احتضان حدث قارّي، وجد نفسه فجأة في مرمى استهداف ممنهج، لا علاقة له باللعب النظيف ولا بروح المنافسة.
لقد قدّم المغرب ما لم يقدّمه كثيرون: تنظيم محكم، بنية تحتية جاهزة، أمن مستتب، وفتح شامل للملاعب والمدن في وجه القارة الإفريقية. ورغم ذلك، لم يشفع هذا الالتزام في شيء، بل جرى التعامل معه كأمر “مستفز” يجب تقليصه أو التشويش عليه. وكأن الرسالة كانت واضحة: إمّا الانخراط في منطق الإرضاء والخضوع، أو تحمّل حملات التشويه والضغط. هذا منطق خطير، لأنه لا يستهدف نتيجة مباراة، بل يستهدف نموذجًا صاعدًا يفرض نفسه بثبات.
في هذا السياق، تصبح دماء اللاعبين ودموعهم أكثر من مجرد لحظة إنسانية. إنها تعبير سياسي بامتياز عن رفض المقايضة، وعن اختيار واعٍ للدفاع عن الكرامة بدل الركوع لمنطق الابتزاز. منتخب لم يدخل النهائي ليطلب العطف، ولا ليشتري اللقب، بل ليؤكد أن الشرف ليس قابلًا للتفاوض. تلك الصور لم تكن ضعفًا، بل كانت موقفًا، ورسالة مفادها أن المغرب لا يربح بالأثمان الملوّثة، ولا يخسر حين يرفضها.
الأخطر مما وقع داخل الملعب، هو ما أعقبه خارجه. فقد انفجرت خطابات مأزومة، تحاول الطعن في التنظيم، وتشكيك في النوايا، وتحويل بطولة إفريقية إلى منصة تصفية حسابات سياسية مكشوفة. أصوات لا ترى في نجاح المغرب إلا تهديدًا، ولا في استقراره إلا إزعاجًا. وهنا يجب قول الأمور بأسمائها: ما جرى لم يكن نقدًا رياضيًا، بل محاولة فاشلة للنيل من مصداقية بلد ينافس بثقة على مواقع متقدمة في الخريطة الدولية.
المغرب لم يحتضن الحدث ليُصفّق لنفسه، بل ليؤدي واجبه القاري، وليؤكد أن إفريقيا تستحق تنظيمًا محترمًا، وأن الرياضة يمكن أن تكون أداة وحدة لا وسيلة ابتزاز. من طنجة إلى مراكش، ومن الرباط إلى أكادير، كانت الرسالة واضحة: هذا بلد يفتح فضاءاته بلا عقد، ويستقبل بلا تمييز، ويشتغل بعقل الدولة لا بمنطق ردّ الفعل. غير أن هذا السلوك المسؤول اصطدم بمنطق آخر لا يعترف إلا بلغة الضغط وخلق الأزمات.
ورغم كل ذلك، اختار المغرب الردّ بما هو أبلغ من الصراخ: الهدوء، والانضباط، وحماية الصورة الوطنية. لم ينجرّ إلى الاستفزاز، ولم يسمح بتحويل الغضب إلى فوضى، لأن الدولة كانت حاضرة، ولأن الشعب كان واعيًا بأن المعركة الحقيقية ليست في نتيجة، بل في الحفاظ على الكرامة والسيادة الرمزية. وهذا بحد ذاته موقف سياسي واضح، ورسالة قوة لا ضعف.
وجاءت الرسالة الملكية لتغلق باب التأويل، وتضع حدًا لكل محاولات الخلط. رسالة لم تُهادن، ولم تُساوم، ولم تنخرط في منطق التبرير، بل ثبّتت معيارًا واضحًا: تشريف الراية، الانضباط، والالتزام، هي أساس التقييم. هنا تتجلّى الرؤية السيادية للرياضة كما يريدها المغرب: أداة لبناء الصورة، لا ساحة للابتزاز.
إن اللحظة الراهنة تتطلب وضوحًا أكبر. الوطن ليس مساحة للتجريب، ولا موضوعًا للمزايدة. المغرب، وهو مقبل على استحقاقات عالمية كبرى، يحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، وإلى خطاب مسؤول يفرّق بين النقد المشروع والتشويش المقصود. فالتهاون مع حملات الاستهداف، أو تبريرها، أو التعامل معها بخفة، ليس سوى مشاركة غير مباشرة فيها.
قد تُهزم المنتخبات، لكن الدول لا تُهزم حين تملك وعيًا سياديًا، وشعبًا متماسكًا، ومؤسسات تعرف كيف تدير الصراع دون أن تفقد بوصلتها. والمغرب، في هذه اللحظة، لم يخسر مباراة… بل ربح معركة الصورة والكرامة.



