الخميني وصناعة الكوارث المؤجلة

بقلم الكاتب الصحافي عبدالله العبادي
ما يحدث اليوم في إيران يتجاوز هجوم عسكري عابر من أجل شروط أفضل للتفاوض أوضغطًا تكتيكيًا من أجل موازين القوى بالمنطقة، بل نحن أمام عملية تفكيك ممنهجة لبنية حكم استمر زهاء نصف قرن. خلال هذه الفترة رُبطت الشرعية الدينية بالأمن القومي، وكان الهم الأكبر للمرشد الديني البقاء على رأس القيادة موفرا للحرس الثوري غطاء سياسيا لحماية القيادة أكثر من حماية إيران، فكان ينسج خيوط نهايته ببطيء فيما بدأ يتشكل مسار التصفية مع مجيء ترامب ومع الاختراقات الأمنية المتكررة لجدار العاصمة الذي طالما اعتقدوا أنه صعب اختراقه.
مات الخميني أو كما وصفه ترامب “أحد أكثر الأشخاص شرًا في التاريخ”، وترك إيران والمنطقة على صفيح ساخن، العملية العسكرية استهدفت رأس الخميني ومعه نهاية نظام المرشد الأعلى. أفوله السياسي بدأ حين انفصلت خيارات القيادة عن هموم المجتمع، وتتحول السلطة من أداة تسيير إلى أداة قمعية وأمنية بامتياز، هنا يكون القائد قد مات قبل أن يتوقف قلبه عن النبض.
بعد عشر سنوات من حكمه، وبالتحديد بعد الحرب العراقية الإيرانية، واجه نظام الخميني مطالب الإصلاح بالكثير من العنف، توالت الانتفاضات من أجل تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لكنه ظل مؤمنا بمقولة البقاء ثم الإصلاح، إلا أن الشعارات الدينية بدأت تتآكل أمام شباب يريد واقعا آخر غير الذي سطرته الثورة الدينية.
هكذا أدار المرشد الأعلى سياسة حافة الهاوية، من خلال إنشاء أدرع مسلحة بدول اخرى وزعزعة استقرارها، ومن خلال ما يروم القيام به اليوم، حيث استهدف مدنا بدول الجوار، الهدف منه إشعال المنطقة وتوسيع دائرة الحرب قبل الوداع الأخير. استحوذ الخميني على صناعة القرار من خلال هيكل هرمي يتمحور حول ولاية الفقيه، فهل يعني موت الخميني، نهاية بنية دينية – سياسية استمرت لعقود؟
بدأت حكاية السقوط منذ مدة طويلة، لكنها النظام فضل ربح الوقت واثقا في أجهزته الأمنية التي أضحت مخترقة بشكل كبير، حيث تم استهداف واغتيال علماء في قلب إيران. أضف إلى ذلك صراعات داخلية وفشل في ضبط التوازنات بين أجنحة السلطة، وتغير قواعد اللعبة على المستوى الخارجي، وحراك داخلي بطيء لكنه يزداد اتساعا.
بعد سقوط ولاية الفقيه، سنكون أمام سيناريوهات كثيرة، أولها إعادة إنتاج نفس النظام من داخل الدائرة الضيقة للمرشد الأعلى، نفس الشكل مع تغيير في الوجوه، الاحتمال الثاني سيطرت الجيش، ببنيته المعقدة، على مقاليد السلطة مما يشكل خطرا ليس فقط على إيران بل على المنطقة بأكملها. الاحتمال الأخير عودة معارضة الخارج، على رأسهم ابن الشاه “رضا بهلوي” بدعم غربي، مما يجنب البلاد مراحل عنف متكررة.
من أجل إيران أكثر انفتاح، يبقى الحل الثالث أكثر واقعية حيث يوفر إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويمنح المزيد من هامش الحرية، وإمكانية الانخراط السياسي لبناء الدولة بشكل حديث. لن يكون الأمر سهلا في مجتمع تشبع بأفكار عدة منذ 1979، سيكون التغيير صعبا في غياب توافق داخلي يراعي تعقيدات المجتمع الإيراني وتوازناته.
مع الجيل الجديد في إيران، على النخب السياسية والمثقفة تجنب سقوط الدولة مع سقوط النظام، كما يجب إشراك الشباب والمرأة في كل بناء جديد، حتى يُمنع تكرار الانفجارات الاجتماعية، وتجنب خلق مقاومة داخلية لأي تغيير محتمل لا يخدم الأجيال الجديدة.
العالم كله ينتظر ولادة إيران ما بعد الخميني، دولة حديثة بمعطيات عقلانية متوازنة ومستقرة، أم فراغ سياسي يولد توترات عابرة للحدود تدفع المنطقة بأكملها ثمنه.



