Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

ايران الصاروخية… من سمح بولادة هذا الوحش؟

أ.د.على أحمد جاد بدر أستاذ العلوم السياسية

في خضم الحرب الدائرة اليوم، لم تعد القدرات الصاروخية الايرانية مجرد تهديد نظري أو ورقة ضغط سياسية، بل تحولت إلى واقع عسكري صلب يفرض نفسه على معادلات الاقليم، ولقد كشفت طهران، بوضوح عن ترسانة صاروخية متطورة، قادرة على الضرب بعيدًا، والمناورة، وإرباك أنظمة الدفاع، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: من ترك إيران تصل إلى هذه المرحلة؟

ومن يتحمل مسؤولية هذا التحول؟ ولا يمكن فهم صعود القوة الصاروخية الايرانية دون التوقف عند السياسات الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية فمنذ انتصار الثورة الايرانية عام 1979م، اعتمدت واشنطن سياسة مزدوجة تتمثل في الاحتواء من جهة، والتغاضي المرحلي من جهة أخرى، ففي الوقت الذي كانت فيه العقوبات تُفرض، كانت هناك مساحات واسعة تُترك لايران لتطوير قدراتها العسكرية، خصوصًا في المجال الصاروخي الذي لم يُدرج بصرامة ضمن الاتفاق النووي المعروف بـالاتفاق النووي الايراني.

وهذا التغاضي لم يكن سهوًا، بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع لادارة التوازنات في الشرق الأوسط، حيث رأت بعض الدوائر الغربية أن وجود قوة إقليمية مثل إيران قد يخدم في ضبط الايقاع، حتى وإن كان ذلك على حساب استقرار دول المنطقة.

وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، والذي يُعرف بـغزو العراق 2003م، دخل الشرق الأوسط مرحلة من السيولة الاستراتيجية غير المسبوقة، وسقوط الدولة العراقية، وتفكك مؤسساتها، فتح الباب واسعًا أمام إيران للتمدد، ليس فقط سياسيًا، بل عسكريًا وأمنيًا، ومع تراجع أدوار القوى العربية المركزية، وجدت طهران نفسها أمام فراغ جيوسياسي مغرٍ، فملأته عبر الأدوات المتعددة، وكان أبرزها تطوير القوة الصاروخية كوسيلة للردع والتوسع في آن واحد.

ولا يمكن إعفاء النظام الاقليمي العربي من المسؤولية، فالتشرذم، والصراعات البينية، وغياب المشروع العربي الموحد، كلها عوامل ساهمت في صعود إيران، ولقد انشغلت الدول العربية بصراعاتها الداخلية، وبحروب الاستنزاف، بينما كانت طهران تعمل بصبر استراتيجي على بناء قوتها، مستفيدة من غياب التنسيق العربي الفعال، ومن هشاشة بعض الدول التي تحولت إلى ساحات نفوذ مفتوحة.

وفي المقابل لا بد من الاعتراف بأن ايران نفسها لعبت الدور الأهم في هذا التحول، فمنذ سنوات طويلة، تبنت طهران عقيدة واضحة تقوم على تطوير القدرات غير التقليدية، وعلى رأسها الصواريخ الباليستية، كبديل عن التفوق الجوي التقليدي.

وهذه الاستراتيجية لم تكن عشوائية، بل اعتمدت على الاستثمار في البحث العلمي، ونقل التكنولوجيا، وبناء الشبكات الاقليمية الداعمة، مما مكنها من تجاوز الحصار والعقوبات.والمجتمع الدولي بدوره يتحمل جزءًا من المسؤولية، نتيجة سياسة الكيل بمكيالين، ففي حين يتم تشديد الرقابة على برامج تسليح بعض الدول، تُترك أخرى لتطور قدراتها تحت ذرائع مختلفة.

وهذا التناقض في المعايير ساهم في خلق بيئة تسمح لقوى اقليمية، مثل إيران، بتعزيز نفوذها العسكري دون ردع حقيقي.وما نشهده اليوم ليس نتاج لحظة، بل نتيجة تراكمات من الأخطاء الاستراتيجية، والتقديرات الخاطئة، والسياسات قصيرة النظر.

والمسؤولية لا تقع على طرف واحد، بل هي مسؤولية مشتركة بين القوى الدولية التى سعت لادارة الصراع بدلًا من حله، والنظام الاقليمي العاجز عن حماية توازنه، والدولة الايرانية التى أحسنت استغلال الفرص.

فلقد تحولت إيران إلى قوة صاروخية ذات شأن، ليس فقط بسبب ما فعلته، بل أيضًا بسبب ما لم يفعله الآخرون، والسؤال الآن لم يعد: من المسؤول؟بل: كيف يمكن احتواء هذا الواقع قبل أن يتحول إلى انفجار اقليمي شامل؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button