أزمة الأحزاب السياسية في المغرب: بين نهر هيراقليطس وإرادة شوبنهاور

المانيا: منير لكماني
قال الفيلسوف اليوناني هيراقليطس: «إنك لن تنزل النهر مرتين». لم يكن يقصد النهر وحده، بل كان يؤسس لفلسفة ترى أن التغيير هو القانون الذي يحكم الوجود، وأن الجمود وهم يخالف طبيعة الحياة. فالمياه تتجدد، والإنسان يتغير، والمجتمعات تعيد تشكيل نفسها باستمرار.
غير أن هذه الحقيقة تثير سؤالا ملحا، ونحن على أبواب الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026: لماذا تغير المجتمع المغربي، بينما بقي جزء كبير من الأحزاب السياسية حبيس الأساليب والخطابات والوجوه نفسها؟
لقد عرف المغرب، خلال العقود الماضية، تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية عميقة. فجيل اليوم أكثر وعيا، وأسرع وصولا إلى المعلومة، وأكثر قدرة على المقارنة بين الخطاب والواقع. ومع ذلك، يبدو أن عددا من الأحزاب لم يستوعب أن السياسة لم تعد تقوم على الشعارات الرنانة، بل على الكفاءة والمصداقية والقدرة على تقديم حلول واقعية لمشكلات المواطنين. ومن هنا، بدأت أزمة الأحزاب تتخذ أبعادا تتجاوز الجانب التنظيمي، لتصبح أزمة ثقة وشرعية ومرجعية.
كانت الأحزاب، في الماضي، مدارس لتكوين المناضلين، وحواضن للأفكار، ومؤسسات تنتج النخب وتؤطر المجتمع. أما اليوم، فقد تحول بعضها إلى منصات انتخابية موسمية، تنشط مع اقتراب الاستحقاقات، ثم تدخل في سبات طويل بعد انتهائها. كما تراجعت الثقافة السياسية التي كانت تفرض على العضو الحزبي أن يتدرج في المسؤوليات، ويتشبع بمبادئ الحزب وقيمه، قبل أن يتصدر المشهد العام.
ومن أخطر مظاهر هذه الأزمة انتشار ما بات يعرف بـ«المظليين السياسيين»، وهم أولئك الذين يلجون الأحزاب قبيل الانتخابات، حاملين طموح الفوز بالمقاعد، لا مشروع الإصلاح والتغيير. فلا تاريخ نضاليا لهم، ولا تكوين سياسيا، ولا ارتباط فكريا بمرجعية الحزب. وقد ينتمي أحدهم اليوم إلى حزب ذي توجه محافظ، ثم ينتقل غدا إلى حزب يساري أو ليبرالي، من دون أن يشعر بأي تناقض؛ لأن معيار الاختيار لم يعد الفكرة أو المبدأ، بل الموقع الذي يحقق أكبر قدر من المكاسب.
لم تضعف هذه الظاهرة الأحزاب فحسب، بل أضعفت أيضا ثقة المواطن في السياسة نفسها. فحين تصبح الأحزاب متشابهة في خطاباتها، ومتقاربة في ممارساتها، ومفتوحة أمام الانتقالات التي لا تضبطها مبادئ فكرية أو أخلاقية، يفقد الناخب القدرة على التمييز بينها. وعندئذ، يتحول التصويت، في نظره، إلى فعل لا يحدث أثرا حقيقيا.
لذلك، لم يعد العزوف عن المشاركة الانتخابية مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح رسالة سياسية تعكس اتساع الفجوة بين المواطن والمؤسسات الحزبية. فكيف يمكن إقناع المواطن بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، بينما تعرض عليه وجوه لا تمتلك الخبرة في التدبير أو المعرفة بالسياسة، ويبدو أن همها الأساسي هو تصدر اللوائح والوصول إلى المناصب؟
وفي هذا السياق، تبدو فلسفة المفكر الألماني آرثر شوبنهاور ذات دلالة خاصة، حين قال: «الإرادة هي المصدر الحقيقي للشقاء البشري». فقد رأى أن الإنسان يظل أسير رغبات لا تنتهي، وأنه كلما أشبع رغبة ظهرت أخرى. وإذا أسقطنا هذه الفكرة على بعض الممارسات السياسية، وجدنا أن إرادة الوصول إلى المنصب أصبحت، لدى بعض الفاعلين، أقوى من إرادة خدمة الوطن.
فالتنافس على التزكيات، والسعي المحموم إلى المواقع، واللهاث وراء الامتيازات، كلها مظاهر جعلت السياسة، لدى فئة من الممارسين، تتحول من رسالة نبيلة إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية. وهكذا، يصبح الحزب مجرد مركبة انتخابية، ويصبح المواطن رقما يستدعى عند التصويت، ثم ينسى بعد إعلان النتائج.
إن أزمة الأحزاب السياسية في المغرب ليست أزمة قوانين انتخابية أو ضعف في التواصل فقط، بل هي، في جوهرها، أزمة هوية سياسية ومرجعية فكرية. فالحزب الذي يفقد مرجعيته، ويهمش الكفاءات، ويستبدل المناضلين بأصحاب النفوذ والمال، لا يستطيع إقناع المواطن بأنه يحمل مشروعا حقيقيا للإصلاح.
كما أن الحزب الذي لا يجدد نخبه، ولا يفسح المجال أمام الشباب والنساء وأصحاب الكفاءة، يحكم على نفسه بالعزلة التدريجية عن المجتمع. ولا يمكن لأي حملة إعلامية أو خطاب انتخابي موسمي أن يعوض غياب الديمقراطية الداخلية، أو ضعف التأطير، أو انعدام الصلة اليومية بقضايا المواطنين.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج المغرب إلى أحزاب تستعيد دورها التأطيري والتربوي، وتعيد الاعتبار إلى السياسة بوصفها خدمة للصالح العام، لا سوقا للمصالح ولا سباقا نحو المقاعد. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل الأحزاب نفسها، من خلال ترسيخ الديمقراطية الداخلية، واعتماد الكفاءة والاستحقاق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى تستعيد ثقة المواطنين، وتصبح قادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع.
لقد علمنا هيراقليطس أن النهر لا يتوقف عن الجريان، وأن من يرفض التغيير يبقى خارج حركة التاريخ. كما نبهنا شوبنهاور إلى أن الإرادة المنفلتة من القيم تتحول إلى مصدر دائم للشقاء.
وبين الفلسفتين تكمن رسالة بليغة إلى الأحزاب السياسية المغربية: لا مستقبل لمن فقد مرجعيته، ولا شرعية لمن جعل المنصب غاية، بدلا من أن يجعله وسيلة لخدمة الوطن والمواطن.
وإذا لم تقدم الأحزاب على مراجعة عميقة وشجاعة لذاتها، فإن أزمة الثقة ستتسع، وسيظل صندوق الاقتراع عاجزا عن استعادة حماس المواطن؛ لأن الديمقراطية لا تبنى بكثرة الأحزاب، بل بقوة الأفكار، وصدق المواقف، ونزاهة الممارسة، ووضوح المشاريع.



