Hot eventsأخبارأخبار سريعةالمرأةثقافة و فن

كريمة بنميمون رحمها الله… حين يغيب الجسد ويبقى الفن

بقلم الأديب: مولاي الحسن بنسيدي علي

هناك رحيلٌ يمرّ بنا كما تمرّ سحابة عابرة، وهناك رحيلٌ يترك في القلب غصّة، وفي الذاكرة فراغاً لا تملؤه الأيام. ورحيل الفنانة والأستاذة كريمة بنميمون من ذلك الرحيل الذي لا يُقاس بفقد شخص فحسب، وإنما يُقاس بفقد جزء من ذاكرة الفن والمسرح، وقطعة من تاريخ الحركة الثقافية والفنية بالمنطقة الشرقية.
بقلوب يعتصرها الألم، وبنفوس أثقلها وقع الفراق، نودّع اليوم امرأة لم تكن عابرة في المشهد المسرحي، بل كانت واحدة من الأوائل اللواتي أسهمن في إرساء قواعد المسرح النسائي بالمنطقة الشرقية، وشقّت طريقها بثبات وصبر، وتدرجت في مدارج الفن حتى غدت واحدة من رواد الحركة المسرحية، ليس على مستوى الجهة وحدها، وإنما على امتداد الوطن، واستطاعت أعمالها وحضورها أن تتجاوز حدود المكان لتصل إلى آفاق أرحب.
كانت كريمة بنميمون، رحمها الله، من تلك الوجوه التي حين تطلّ على الخشبة تشعر أن المسرح قد استعاد روحه. كانت تملأ المكان حضوراً، وتمنح الشخصية التي تؤديها من إحساسها وصدقها ما يجعلها تنبض بالحياة. ولم يكن حضورها مقصوراً على خشبة المسرح، فقد امتد إلى شاشة السينما، فكانت فنانة متعددة العطاء، تحمل رسالتها الفنية بجدية، وتؤمن بأن الفن ليس مجرد حضور عابر، وإنما مسؤولية وذاكرة ورسالة إنسانية.
ولأن بعض الشخصيات لا يمكن اختزالها في سطور، فإن الحديث عن كريمة بنميمون يضعني أمام إحساس خاص بالمسؤولية والوفاء؛ فقد كان لي شرف أن أتناول سيرتها ضمن كتابي «شخصيات من عالم الفن والإبداع المسرحي بالجهة الشرقية»، حيث حاولت أن أوثّق شيئاً من مسيرتها وأن أضع اسمها في المكان الذي يليق بها بين الشخصيات التي أسهمت في بناء المشهد المسرحي والفني بالجهة.
واليوم، وأنا أكتب عنها وهي تغادرنا إلى دار البقاء، أشعر أن الكلمات نفسها تقف عاجزة أمام هيبة الفقد. كيف يمكن للكلمات أن تؤبن من كانت حياتها خشبةً من العطاء؟ وكيف يستطيع القلم أن يرسم ملامح امرأة تركت من الأثر ما يتجاوز حضورها الشخصي؟ إنني مهما كتبت عنها، سأظل أشعر بأن شيئاً من حقها ما يزال عالقاً في الصمت، وأن بعض الوفاء لا تستطيع اللغة أن تستوفيه.
لقد رحلت كريمة بنميمون، لكن الفنانة التي صنعتها سنوات العطاء لن ترحل. ستبقى في ذاكرة من عرفوها، وفي ذاكرة المسرح الذي احتضن خطواتها الأولى، وفي وجدان كل من شاهدها أو شاركها لحظة من لحظات الفن والإبداع. وسيبقى اسمها شاهداً على جيل من النساء اللواتي دخلن عالم المسرح بشجاعة، وواجهن صعوبات البدايات، وأسهمن في فتح الطريق أمام أجيال جاءت بعدهن.
إن الموت يأخذ الأجساد، لكنه لا يستطيع أن يأخذ الأثر. والفنان الحقيقي لا تنتهي حكايته حين يُسدل الستار الأخير، لأن ما تركه من إحساس وإبداع وذكريات يظل حاضراً في وجدان الناس. ولعل أجمل ما يمكن أن نهديه إلى كريمة بنميمون اليوم ليس مجرد كلمات الحزن، وإنما أن نحفظ سيرتها، ونستعيد أعمالها، ونذكر فضلها على المسرح والفن، وأن نترك للأجيال القادمة فرصة التعرف إلى امرأة كانت من صانعات الذاكرة الفنية في منطقتنا ووطننا.
يا كريمة…
رحلتِ عنا، فبكيناكِ كما يُبكى من كان حضوره عزيزاً، لكننا نعزّي أنفسنا بأنك تركت وراءك ما لا يستطيع الموت أن يمحوه: اسماً في ذاكرة الفن، وأثراً في ذاكرة المسرح، ومحبة في قلوب من عرفوكِ.
وإذا كان الستار قد أُسدل على آخر مشهد من حضورك بيننا، فإن مشاهد عطائك ستظل مفتوحة في ذاكرة الذين عرفوا قيمتك، وستظل صورتك معلقة في وجدان المسرح، شاهدة على زمن من العطاء وعلى امرأة اختارت الفن طريقاً، والإبداع رسالة، والوفاء سيرة حياة.
رحم الله كريمة بنميمون رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وجعل ما قدمته للفن والثقافة والإبداع في ميزان حسناتها، وألهم أهلها وذويها ومحبيها وزملاءها في الوسط الفني جميل الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button