أراضي الجماعات السلالية.. الداخلية تطلق عملية جديدة لتحيين لوائح ذوي الحقوق وتحدد شروط الاستفادة

تستعد وزارة الداخلية لإطلاق عملية جديدة لتحيين لوائح أعضاء الجماعات السلالية في خطوة ترمي إلى ضبط قوائم ذوي الحقوق والتأكد من مطابقتها للمعطيات الفعلية بما يضمن استفادة الأشخاص الذين تتوفر فيهم الشروط القانونية ويحد في المقابل من حالات الإقصاء أو إدراج أشخاص لا تتوفر فيهم شروط الاستفادة.
وتأتي هذه العملية في سياق متسارع يشهده تدبير أملاك الجماعات السلالية خاصة مع استمرار ورش تمليك الأراضي الفلاحية البورية لفائدة مستغليها من ذوي الحقوق وما يترتب عن ذلك من ضرورة تحيين وضبط اللوائح التي تحدد الأشخاص المعنيين بالاستفادة.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى أن لوائح أعضاء الجماعات السلالية تشكل إحدى الوثائق الأساسية التي يتم الاعتماد عليها لتحديد ذوي الحقوق والاستفادة من مختلف العمليات المرتبطة بتدبير الأراضي الجماعية،سواء تعلق الأمر بالانتفاع أو التوزيع أو التمليك أو العائدات الناتجة عن استغلال بعض العقارات.
ثلاثة معايير أساسية لتحديد المستفيدين
وبحسب المعطيات الواردة في المسطرة الجديدة،يرتكز إعداد أو تحيين اللوائح على ثلاثة معايير أساسية تتمثل في ثبوت الانتماء الفعلي إلى الجماعة السلالية المعنية وبلوغ سن الرشد القانوني إلى جانب توفر شرط الإقامة وفق الضوابط المعمول بها.
غير أن شرط الإقامة لا يفهم بالضرورة باعتباره سكنا دائما ومتواصلا داخل المجال الترابي للجماعة السلالية،إذ يمكن أن يؤخذ بعين الاعتبار الارتباط الفعلي والمستمر بالجماعة من خلال التردد عليها أو المشاركة في شؤونها أو استغلال حصة من الحقوق التي آلت إلى المعني بالأمر عن طريق الانتفاع أو الإرث وذلك مع مراعاة طبيعة كل جماعة والأعراف المحلية التي تؤطرها.
ويأتي هذا التوضيح في سياق معالجة بعض الإشكالات التي سبق أن أثيرت بشأن أشخاص ينتمون فعليا إلى جماعات سلالية،لكنهم يقيمون خارج مناطقهم الأصلية لأسباب مهنية أو اجتماعية أو أسرية وهو ما جعل شرط الإقامة موضوع نقاش وشكايات في عدد من المناطق.
كما سبق أن أثير الموضوع داخل مجلس النواب حيث تمت المطالبة بإعادة النظر في اعتماد الإقامة كمعيار منفرد واعتماد الانتماء إلى الجماعة السلالية وبلوغ سن الرشد ضمن المعايير الأساسية لتحديد ذوي الحقوق.
ثلاثة أشهر لإعداد اللوائح مع إمكانية التمديد
وتمنح المسطرة لجماعة النواب مدة تصل إلى ثلاثة أشهر لإعداد اللوائح الجديدة أو المحينة مع إمكانية تمديد هذه المدة لشهر إضافي عندما تكون هناك أسباب ومبررات موضوعية تستدعي ذلك.
وبعد الانتهاء من إعداد اللوائح يتم إحالتها على السلطة المحلية قصد تعليقها لمدة شهر سواء بمقرات الجماعات السلالية أو في الأماكن التي تعرف تجمع السكان حتى يتسنى للمعنيين الاطلاع عليها والتأكد من إدراج أسمائهم والبيانات المتعلقة بهم.
كما يمكن الاستعانة بمختلف وسائل الإخبار المتاحة محليا لإيصال المعلومة إلى أكبر عدد ممكن من أفراد الجماعة،بما في ذلك وسائل الإعلان التقليدية المتعارف عليها في بعض المناطق.
وتكتسي مرحلة الإعلان أهمية خاصة لأنها تمنح ذوي الحقوق فرصة للتحقق من المعطيات الواردة في اللوائح قبل اعتمادها بشكل نهائي.
الطعون.. فرصة لتصحيح اللوائح قبل اعتمادها نهائيا
ومن أبرز الضمانات التي تتضمنها المسطرة فتح باب الطعن أمام كل شخص يعتبر نفسه معنيا سواء تعلق الأمر بشخص لم يتم إدراج اسمه ضمن اللائحة أو بشخص يرى أن اسما آخر ادرج رغم عدم توفر صاحبه على الشروط القانونية.
وتحال الاعتراضات وفق المسطرة المعتمدة على الجهات المختصة لدراستها والبت فيها مع إمكانية مراجعة اللوائح بالحذف أو الإضافة قبل الوصول إلى مرحلة المصادقة النهائية.
وتكتسي هذه المرحلة أهمية كبيرة لأنها تتيح تصحيح الأخطاء المحتملة قبل اعتماد اللوائح،كما تمنح الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم متضررين فرصة للدفاع عن حقوقهم وفق المساطر القانونية بدل بقاء الخلافات مفتوحة أو انتقالها مباشرة إلى مسارات نزاعية أطول.
وبعد استكمال مختلف مراحل دراسة الطعون،يتم اعتماد اللوائح النهائية وفق الآليات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.
النساء والرجال ضمن لوائح ذوي الحقوق
ومن بين المستجدات المهمة التي كرسها الإطار القانوني الجديد للجماعات السلالية عدم التمييز بين الرجال والنساء في الاستفادة متى توفرت الشروط القانونية حيث تشمل اللوائح الذكور والإناث على حد سواء.
ويأتي ذلك في إطار التحول الذي عرفه النظام القانوني للجماعات السلالية والذي أصبح يؤطر اكتساب صفة عضو والاستفادة من الحقوق على أساس مقتضيات قانونية موحدة بعدما كانت بعض الممارسات في السابق مرتبطة بدرجات متفاوتة بالأعراف المحلية.
ويهدف هذا التوجه إلى جعل الاستفادة من الحقوق السلالية مرتبطة بالصفة القانونية للمعني بالأمر ومدى استيفائه للشروط المحددة، وليس بالاعتبارات المرتبطة بالجنس.
تحيين اللوائح يواكب ورش تمليك الأراضي السلالية
وتتجاوز أهمية العملية مجرد تحديث الأسماء والبيانات،إذ ترتبط بشكل مباشر بالتحولات التي يعرفها تدبير الأراضي الجماعية بالمغرب.
ففي سنة 2026،صدر مرسوم يتعلق بالأراضي الفلاحية البورية المملوكة للجماعات السلالية والمخصصة للتقسيم والتمليك لفائدة مستغليها ويتضمن مقتضيات مرتبطة بالإعفاء من بعض واجبات التحفيظ العقاري وذلك في إطار تسهيل وتسريع تسوية الوضعية العقارية للقطع المعنية.
ومن شأن هذه الإجراءات أن تخفف الكلفة المرتبطة بعملية التحفيظ وتساهم في تسريع تسوية الوضعية العقارية للأراضي التي تقرر تمليكها لفائدة مستغليها من ذوي الحقوق.
وبالتالي،فإن ضبط لوائح ذوي الحقوق يصبح أكثر أهمية في المرحلة الحالية باعتبار أن تحديد المستفيدين بشكل دقيق يشكل خطوة أساسية لإنجاح عمليات التمليك والتقسيم وحماية حقوق أصحابها،فضلا عن الحد من النزاعات التي قد تنشأ حول هوية المستفيدين.
نحو حكامة أكبر للأراضي الجماعية
وتندرج هذه الإجراءات ضمن مسار أوسع لإصلاح منظومة الجماعات السلالية وتطوير طرق تدبير أملاكها بهدف تحويل جزء أكبر من هذا الرصيد العقاري إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية مع الحفاظ على حقوق ذوي الحقوق.
كما تندرج في إطار توجه يروم تحسين الحكامة والرفع من نجاعة استغلال الأراضي الجماعية سواء من خلال تمليك الأراضي المستغلة لفائدة أصحاب الحقوق أو عبر تشجيع الاستثمار في العقارات السلالية وفق الضوابط القانونية.
وكانت الحكومة قد واصلت خلال سنة 2026 إصلاح المنظومة القانونية والتنظيمية المتعلقة بالجماعات السلالية من خلال إجراءات ومشاريع ترمي إلى تطوير آليات تدبير واستثمار هذه الأراضي وتحقيق مردودية اقتصادية واجتماعية أكبر منها.
وبذلك لا يتعلق تحيين اللوائح بإجراء إداري روتيني فقط،بل يمثل حلقة أساسية في مسلسل إعادة تنظيم العلاقة بين الجماعات السلالية وأملاكها وذوي الحقوق خصوصا في ظل التوجه نحو تسوية الوضعيات العقارية وتوسيع دائرة الاستثمار وتمليك الأراضي المستغلة بما يحقق استفادة أكثر وضوحا وعدالة ويقلل من النزاعات المرتبطة بتحديد المستفيدين.
وتبقى دقة هذه اللوائح وشفافية إعدادها وفتح المجال أمام الطعون والتصحيح من أبرز الشروط الكفيلة بضمان حقوق ذوي الحقوق وإنجاح الإصلاحات التي تعرفها منظومة الأراضي الجماعية بالمغرب.



