الفساد السياسي..حينما يتحول شعار محاربته إلى جزء من اللعبة السياسية

مع كل محطة انتخابية، تخرج إلينا الأحزاب السياسية لتطربنا وتتحفنا بسمفونية “محاربة الفساد” في خطابها السياسي، حيث نجدها، أي الأحزاب، تتنافس في تقديم نفسها كقوة ناعمة وخارقة في نفس الوقت وقادرة على تخليق الحياة العامة، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي جاء به دستور 2011، ووضع حد للريع والزبونية واستغلال النفوذ، ليبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم مع تكرار هذه الأسطوانة، ليس من يرفع شعار محاربة الفساد، وإنما من يجسد الفساد ويكرسه داخل المؤسسات وخارجها؟
المفارقة التي نعيشها، أن الفساد لا يعيش خارج المؤسسات فقط، ولا يأتي دائما من جهة مجهولة يمكن تحميلها المسؤولية، بل قد يجد لنفسه موطنا داخل العديد من البنيات الإدارية والسياسية والمنتخبة، فعندما تتحول المسؤولية العمومية من تكليف لخدمة المواطن إلى وسيلة للنفوذ وتحقيق المصالح، يصبح شعار محاربة الفساد بحاجة إلى ما هو أكثر من الخطب والبرامج الانتخابية، بحاجة إلى ممارسة سياسية واضحة وإلى آليات حقيقية للرقابة والمحاسبة.
فإذا كانت جميع الأحزاب متفقة على أن الفساد خطر على الدولة والمجتمع والاقتصاد، فمن حق المواطن أن يسأل، من يتحمل مسؤولية استمرار مظاهر الفساد والريع والزبونية وضعف الحكامة؟ ومن يتحمل مسؤولية الاختلالات التي تظهر داخل المؤسسات، خصوصا عندما تكون المسؤوليات السياسية والإدارية محددة ومعروفة؟
المشكل اليوم لا يكمن فقط في وجود الفساد، وإنما في الطريقة التي يتم بها التعامل معه، فحين يتحول الفساد إلى موضوع انتخابي يستعمل ضد الخصوم، بينما يتم الصمت عنه عندما يتعلق الأمر بالحليف أو المسؤول القريب من دائرة القرار، فإن محاربة الفساد تفقد معناها الأخلاقي والسياسي، وتتحول إلى مجرد أداة في الصراع الحزبي، وهو الأمر الذي أصبح سائدا اليوم وما نستشفه في مضمون الخطاب للأحزاب السياسية التي تحاول تقديم نفسها بديلا، لتجدها مباشرة بعد الوصول إلى مواقع المسؤولية أمام نفس الممارسات التي كانت تنتقدها، وهنا تبرز وتولد من جديد أزمة الثقة لدى المواطن الذي لم يعد بحاجة إلى حزب يتحدث عن محاربة الفساد فقط، وإنما يريد أن يرى كيف يمارس هذا الحزب السلطة عندما يصبح مسؤولا عنها.
إن محاربة الفساد لا تبدأ فقط في موسم الانتخابات ولا تنتهي بإعلان النتائج، بل هي مسؤولية مستمرة تبدأ أولا باحترام القانون، وتمر عبر الشفافية في تدبير المال العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة تضارب المصالح، وإنهاء منطق الامتيازات غير المستحقة، وصولا إلى حماية المؤسسات من الاستعمال الحزبي أو الشخصي. أما عن الأحزاب فمسؤوليتها لا تتوقف عند تقديم المرشحين والبرامج، بل تشمل أيضا مراقبة سلوك المنتخبين والمسؤولين الذين ينتمون إليها، فإذا كان الحزب يرفع شعار النزاهة، فعليه أن يكون أول محاسب لكل من تورط في ممارسات تتعارض مع هذا الشعار، بدل انتظار تدخل المؤسسات الرقابية أو القضائية، لكون أن محاربة الفساد تعتبر التزاما سياسيا وأخلاقيا، أكثر من كونها شعارا انتخابيا يستعمل للحصول على الأصوات.
الفساد لا يحارب بالشعارات، ولا بالبيانات الحزبية، ولا بتبادل الاتهامات بين الأغلبية والمعارضة، إنما يحارب عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أقوى من النفوذ، والمحاسبة أقوى من الولاء، والمصلحة العامة أقوى من المصلحة الحزبية. لذلك تبقى المعركة الحقيقية ليست بين حزب يدعي امتلاك وصفة لمحاربة الفساد وحزب آخر يرفضها، بل بين من يريد بناء مؤسسات قوية وشفافة تخضع للمراقبة والمحاسبة، وبين من يريد أن تبقى الشعارات أكبر من الممارسة لتحقيق المصالح والمآرب الشخصية.



