Hot eventsأخبارأخبار سريعةثقافة و فن

ليلة للشعر الأمازيغي بمقر سيكوديل بالناظور

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

يُعدّ الشعر الأمازيغي بمنطقة الريف، ولا سيما بإقليم الناظور، تعبيرًا حيًّا عن الذاكرة الجماعية وامتدادًا لوجدانٍ تشكّل في حضن الجبل والبحر معًا، حيث تفاعلت الطبيعة القاسية مع الإنسان فأنجبت خطابًا شعريًا يتسم بالصلابة والحنين في آن واحد. وقد ظلّ هذا الشعر، لحقب طويلة، وفيًّا لبنيته الشفهية، متكئًا على الإلقاء الجماعي والاحتفاء بالموروث، ومقتصرًا في الغالب على موضوعات محددة مثل استحضار الأسطورة، وتمجيد الشخصيات التاريخية، والتغني بقيم البطولة والكرم، وتناول صورة المرأة البدوية ضمن منظور تقليدي محافظ. وكان هذا الثبات الموضوعاتي يعكس وظيفة اجتماعية واضحة للشعر، بوصفه حافظًا للذاكرة ومؤطرًا للقيم، أكثر من كونه فضاءً للنقد أو مساءلة التحولات.
غير أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها الريف، من هجرةٍ واسعة إلى الخارج، وتبدّل في أنماط العيش، واحتكاكٍ متزايد بمظاهر الحداثة، فرضت على القصيدة الأمازيغية أن تعيد النظر في بنيتها التصورية والدلالية. فلم يعد الشاعر يكتفي بإعادة إنتاج الموروث، بل انخرط في إعادة بناء الرؤية الشعرية، وجعل من الواقع المعاش مادةً أساسية للتعبير، متناولًا قضايا الهوية والبطالة والهجرة والتحولات الأسرية، ومقاربًا الظواهر الاجتماعية بنَفَسٍ نقدي هادئ يسعى إلى المعالجة لا إلى الإدانة. وهكذا انتقلت القصيدة من دائرة الاجترار إلى أفق التجديد، دون أن تتنكر لجذورها أو تفقد صلتها بالنسق الإيقاعي الذي يميزها.
إن من أبرز ما يشدّ الانتباه في الشعر الأمازيغي الريفي احتفاظه بجرسه الموسيقي الداخلي القائم على التوازي الصوتي والتكرار الإيقاعي، وهو جرس يصل إلى المتلقي حتى وإن لم يُحِط بجميع مفردات اللغة. فالإيقاع هنا ليس مجرد زخرفٍ صوتي، بل هو حاملٌ للمعنى، ومكوّنٌ أساسي في إنتاج الأثر الجمالي. كما أن توظيف عناصر الطبيعة – الجبل، البحر، الزيتون، الريح، الماء – يمنح النص بعدًا رمزيًا عميقًا، إذ تتحول هذه العناصر إلى إشارات دالة على الصمود أو الفقد أو التطلع إلى الانعتاق.
وقد عاينتُ هذا التحول بنفسي كمتلقٍّ في إحدى الفعاليات الثقافية بمقر سيكوديل بالناظور والذي أدار لقاءه الشاعر رضوان بنشيكر، حيث استمعت إلى قصائد تتجاور فيها حرارة الأداء مع عمق الفكرة كما هو الحال عند الشاعر الأمازيغي عبد الرحيم، وتتداخل فيها النبرة التراثية مع أسئلة الحاضر. ورغم أن بعض المصطلحات الأمازيغية كانت تستعصي عليّ بحكم عدم إجادتي التامة للغة، فإنني كنت أستعين بتوضيحات النجمة السينمائية والفنانة مازيليا ابتسام عباسي؛ التي كانت مشكورةً تُقَرِّب إليّ دلالات بعض التعابير، مما أتاح لي فهمًا أعمق للسياق الثقافي والرمزي للنصوص. وقد أدركت حينها أن الشعر الأمازيغي لا يُختزل في اللغة وحدها، بل يتجلى أيضًا في الأداء والانفعال والجرس، وأن فعل التلقي ذاته يصبح تجربة مشتركة تتجاوز حدود اللسان إلى فضاء الإحساس.
إن الشعر الأمازيغي في الريف اليوم يعيش مرحلة وعي ثقافي متقدم، يسعى فيها إلى تثبيت حضوره ضمن المشهد الأدبي الوطني، لا بوصفه تراثًا فحسب، بل باعتباره خطابًا معاصرًا قادرًا على مساءلة الواقع والمساهمة في بنائه وقد أشار إليه الدكتور محمد بولعيون في مداخلته. وهو في هذا المسار يجمع بين الوفاء للذاكرة والانخراط في قضايا المجتمع، وبين الشفهية الأصيلة والانفتاح على آفاق التدوين والتجريب، ومن منظور الاعلامي محمد العلالي أن الكلمة الأمازيغية ما تزال قادرة على حمل هموم الإنسان الريفي والتعبير عنها بصدق وجمال.
ونرى أن الشعر الامازيغي يمكن أن يواكب إشعاعه إذا تظافرت جهود المثقفين والشعراء بإشراك الجميع من غير إقصاء أو تمييز مع الانفتاح على الشعر الأمازيغي الوطني في أقاليم وجهات أخرى مع قبوله للنقد وللٱخر من غير تعصب.
….
بقلم الأديب والباحث: مولاي الحسن بنسيدي علي

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button