بين حق التقاضي وحدود الصمت… قضية رشيد الفايق تعود إلى الواجهة بإضراب مفتوح عن الطعام

في تطور جديد يعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، كشف المحامي بهيئة فاس، محمد حاسي، عن معطيات مقلقة بخصوص الوضعية الصحية والنفسية لموكله، البرلماني السابق رشيد الفايق، الذي يقضي عقوبة سجنية، مؤكداً عزمه خوض إضراب عن الطعام قد يصل إلى حد الموت، احتجاجاً على ما يعتبره “تجاهلاً” لشكاية تقدم بها منذ أشهر.
القضية، التي تتجاوز بعدها القانوني إلى أبعاد إنسانية وسياسية، تضع المؤسسات المعنية أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى احترام الحق في التقاضي، حتى بالنسبة للأشخاص المحكوم عليهم. فالفايق، وفق ما نقله دفاعه، لا ينازع في وضعيته السجنية، لكنه يتمسك بحقه كمواطن في أن تُستمع شكايته وتأخذ مسارها الطبيعي داخل دواليب العدالة.
شكاية بملايين السنتيمات… وأسئلة بلا أجوبة
تفاصيل الشكاية تكشف عن اتهامات ثقيلة، حيث يتهم الفايق أحد القياديين السياسيين بالاستيلاء على مبلغ مالي مهم خلال فترة انتخابية سابقة. ووفق رواية الدفاع، فإن الأمر يتعلق باتفاق مالي بلغ سقفه حوالي 800 مليون سنتيم، ساهم فيه الفايق بمبلغ 200 مليون، استُرجع جزء منه، بينما ظل مبلغ مهم عالقاً دون تسوية.
هذه المعطيات، إن ثبتت صحتها، تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول تمويل الحملات الانتخابية، وحدود الشفافية داخل المشهد السياسي، كما تعيد طرح إشكالية تداخل المال بالسياسة في سياق يُفترض أنه محكوم بقواعد النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
حق الاستماع… بين الواقع والنص
الدفاع يؤكد أن الشكاية وُضعت لدى رئاسة النيابة العامة، وتم الاستماع إلى الفايق بشكل أولي، غير أن هذا الاستماع بقي، حسب تعبيره، “شكلياً ومحدوداً” بسبب الوضع الصحي للمعني بالأمر، دون استكمال البحث أو إعادة الاستماع إليه رغم التذكيرات المتكررة.
هنا، تبرز مفارقة قانونية وأخلاقية في الآن ذاته: هل يمكن أن يتحول تنفيذ العقوبة إلى عائق أمام ممارسة حق أصيل يكفله القانون، وهو حق التقدم بشكاية؟ وهل يُعقل أن يبقى مشتكي داخل المؤسسة السجنية ينتظر دون تفاعل فعلي مع ملفه؟
إضراب عن الطعام… صرخة أم تصعيد؟
قرار خوض إضراب عن الطعام “حتى الموت”، كما نُقل عن الفايق، يضع القضية في منحى أكثر حساسية. فالإضراب، وإن كان وسيلة احتجاجية معروفة داخل المؤسسات السجنية، يظل مؤشراً خطيراً على درجة الاحتقان وفقدان الثقة في مسار الإنصاف.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن الشعور الذي عبّر عنه المعني بالأمر، والمتمثل في “الإقصاء” وغياب التفاعل مع شكايته، وهو ما يطرح مسؤولية مزدوجة: قانونية لضمان سير المساطر، وإنسانية لتفادي أي تطور قد تكون له عواقب غير محسوبة.
بين القانون والإعلام… ضرورة التوازن
في خضم هذا الجدل، وجّه الدفاع انتقادات لبعض التناولات الإعلامية، معتبراً أنها تنزلق نحو خطاب بلاغي يبتعد عن الدقة القانونية. وهي ملاحظة تعيد طرح سؤال المهنية في تغطية القضايا المعروضة على القضاء، خاصة تلك التي تتقاطع فيها السياسة بالقانون.
فالإعلام، بقدر ما يلعب دوراً أساسياً في كشف الحقائق، مطالب أيضاً بالتحلي بالتوازن، بعيداً عن الإثارة أو إصدار أحكام مسبقة، احتراماً لقرينة البراءة وضماناً لحق جميع الأطراف في محاكمة عادلة.
قضية رشيد الفايق اليوم لم تعد مجرد ملف قضائي عادي، بل تحولت إلى مرآة تعكس تعقيدات العلاقة بين العدالة والحقوق الفردية داخل السياق السجني. وبين مطالب الاستماع، واتهامات لم تُحسم بعد، وخيار الإضراب عن الطعام، تبقى الكرة في ملعب الجهات المختصة لتوضيح مآل الشكاية وضمان سيرها وفق ما يقتضيه القانون.



